ما هي الخيارات الاقتصادية العربية، في هذا العالم المتغير المتجدد؟ إن العرب، كما يقول الاقتصادي المصري د.إسماعيل صبري عبدالله، "إما أن ينهضوا معاً، وإما أن تتخبط جهودهم بدرجات متفاوتة وتتشتت جموعهم، وتتجزأ بعض أقطارهم أو تختفي من المسرح الدولي". تحدث الباحث الاقتصادي عن حقائق مؤلمة وبصراحة حول الواقع العربي مع انتهاء القرن العشرين. نحو 257 مليوناً هو عدد السكان في عام 1996، بينهم 103 ملايين أمي، والملايين تعاني من البطالة. مساحة هذا العالم العربي أكثر من 14 مليون كيلو متر مربع، ولكن نحو 87% منها أرض غير قابلة للزراعة! في هذه المحاضرة التي ألقاها في عمّان بالأردن، لم يبدُ متفائلاً حتى بمستقبل البترول، فمن كان يدري عام 1998 مثلاً بثورة أسعار النفط القادمة خلال سنوات قليلة؟ وعلى كل حال، لو بدت الأسعار مرتفعة فالواقع غير ذلك. "لست بحاجة إلى الإفاضة في الحديث عن تدهور أسعار البترول، فالمعروف أن الأسعار الحالية -يقصد بالطبع عام 1997- لو حُسبت على أساس القوة الشرائية للدولار في عام 1973 فسوف تكون قريبة جداً من الأسعار التي كانت سائدة في أسواق النفط في أوائل السبعينيات. والأهم من ذلك ما يقوله الخبراء عن توقعات المستقبل، فخبراء البنك الدولي يكتبون في الدراسة المشار إليها آنفاً: "من المتوقع انخفاض أسعار النفط الحقيقية لمدى طويل"... تنبؤ نعرف اليوم كم كان بعيداً عن الدقة والصواب. د. صبري أبدى بعض الشكوك حتى في ما ينسب إلى "الموقع الاستراتيجي الذي يشغله الوطن العربي بين ثلاث قارات"، وأنه "المعبر الرئيسي" بين شرق آسيا وجنوبها وبين أوروبا. وقال في تقييمه: "أوضح هنا أن مدلول الأهمية الاستراتيجية الحقيقية، العسكرية والسياسية، قد تغير تماماً بعد نهاية الحرب الباردة. أما إذا نظرنا إلى مؤشرات النمو الاقتصادي وتيارات التجارة الدولية، فإننا سنجد أن مركز الثقل في العالم ينتقل بشكل واضح، من سواحل المحيط الأطلسي إلى سواحل المحيط الهادي، الذي يطل عليه الساحل الغربي للولايات المتحدة وكندا، والساحل الشرقي لروسيا والصين، وفيه تقع جزر اليابان وأستراليا ونيوزيلندا، ويلحق بهذا دول جنوب شرق آسيا". الباحث الاقتصادي البارز، هاجم في تلك الندوة ظواهر عربية أخرى باعتبارها من "الأوهام": من هذه، "نظرية المؤامرة الكبرى"، إذ أن كل من يتابع الخطاب الرسمي والإعلامي في الوطن العربي، يحس بأن العالم لا هم له إلا التآمر على العرب ونهب ثرواتهم وإحباط مجهوداتهم". بعد هذا النقد الذاتي الصريح، يضرب د. صبري مثلين حول الحضارات التي سادت ثم بادت: "لم ينجح موسوليني مثلاً في إعادة بناء الحضارة الرومانية وإمبراطوريتها. وقريب من ذلك، زوال الإمبراطورية البريطانية، التي كانت لا تغيب عنها الشمس، وهبوط بريطانيا إلى مستوى دولة كبرى من الدرجة الثانية بعد الولايات المتحدة واليابان وألمانيا، وها هي تدخل عضواً في الاتحاد الأوروبي، وتستعد لتغيير الجنيه الإسترليني ذي التاريخ الطويل كعملة دولية الانتشار، والتعامل بالعملة الأوروبية "اليورو". ومن "الأوهام" التي ينتقدها د. صبري "الثورية الجوفاء"، أي مواجهة القضايا والمواقف بـ"الرفض والتنديد والإدانة والاتهام والخيانة والعمالة". ومثل هذه المواقف وردود الأفعال واسعة الانتشار في العالم العربي وشديدة التكرار، وخاصة في أوساط المثقفين. ومن النادر أن نرى بعض هؤلاء المثقفين أو أحزابهم يقيِّمون هذه المواقف وهذه "المبدئية" في مراحل لاحقة، بل إن بعض هذه المواقف جلبت على العالم العربي نتائج عكسية. ومن هذه الأوهام التي يضع د. صبري إصبعه عليها، المبالغة في تقدير الموارد الطبيعية والمعادن في البلدان والأراضي العربية، أما الواقع، يقول د. صبري، فإن مواردنا محدودة للغاية، و"أن الجزء الأكبر -من رقعة الوطن العربي الشاسعة- صحارى وفيافٍ لا ماء فيها ولا زرع ولا معادن ثمينة". ومن طرائف التعبير السياسي في محاضرة الباحث الاقتصادي قوله، إنه عندما ارتفعت أسعار البترول بعد حرب أكتوبر "أصبح النفط أهم من العرب". ومن النقاط الجديرة بالاهتمام، التي يثيرها في مجال تفسير تراجع الغرب لفترة عن استهلاك النفط، والتي أعتقد أننا لم نلتفت إليها كثيراً، أن الدول الصناعية "شهدت تراجعاً لدور الصناعة بالمعنى التقليدي وزيادة مطردة في قطاع الخدمات المالية والمعلوماتية وخدمات النقل والاتصال... إلخ، كما أن صناعات التكنولوجيا الراقية قليلة الحاجة إلى الطاقة، وهذا واضح في مجال الاتصالات والمعلومات، وكذلك في التكنولوجيا الحيوية". كما ساد في البلدان الصناعية الاتجاه نحو "تقنيات قليلة الحاجة إلى الطاقة، أو ما يسمى التقنيات النظيفة قليلة التلوث". أما في العالم العربي وأوساط مثقفيه، فقد فُسر هذا التراجع الغربي حتى نهاية القرن العشرين، بأنه "مؤامرة غربية"، أخرى، لحرمان العرب والدول المنتجة للنفط من عائدات البترول. إلا أن د. صبري، الذي بدا في النصف الأول من المحاضرة "صديقاً للغرب" وناقداً للجانب العربي سرعان ما "انقلب" وفاجأ المستمعين، وقال إننا اليوم، 1998، بصدد ظاهرتين متزامنتين: الكوكبة أو العولمة في الشمال المتقدم، والتنمية في الجنوب حيث دول العالم الثالث. وقال إن قضية ردم الفجوة بين الكتلتين، أو اللحاق Catch-Up، لم تخدع العقلاء وسقطت من أدبيات التنمية، ولكن محاولة تضييق الهوة بدت أمراً مأمولاً فيه لدى كثير من رجال السياسة ومن أغلبية أهل الفكر. وإذا قارنا بيانات ثلاثين سنة 1965-1995 يتبين لنا "أن لحركة الكوكبة وجهين: وجهاً في الشمال وهو تركز الثروة والقوة والمعرفة، وآخر في الجنوب، وهو الفقر والتبعية والتهميش". فالدول الصناعية الكبرى تضم المقار القانونية لـ426 شركة من بين أكبر 500 شركة كوكبية، كما جاء في المجلة الأميركية Fortune Magazine، عدد 4/8/1997، ويصف بعض الكتاب قمة مجموعة "السبع" بـ"مجلس إدارة اقتصاد العالم". ومن بين الشركات الكوكبية في قائمة "فورشن" هذه، نجد 69 مصرفاً كوكبياً، منها 58 مصرفاً مقرها الأصلي في واحدة من تلك المجموعة. وينعكس هذا الاستقطاب المتزايد من خلال تراجع مكانة الأمم المتحدة ومنظماتها، وخضوع الدول لسيطرة الدول السبع الكبرى في إطار أيديولوجية السوق: البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية. وينعكس كذلك من هيمنة البورصات العالمية تداولاً وحركة، بشكل لا يعكس واقع الإنتاج العالمي. "ففي هذه السوق يبلغ التعامل اليومي أحياناً تريليون دولار، في حين أن حجم التجارة الدولية تصديراً واستيراداً لا يتجاوز خسمة تريليونات إلا قليلاً في العام (1995). وفي هذه المضاربات تتجمع ثروات تقدر بعشرات المليارات لا يقابلها أي إنتاج عيني". إزاء هذه الكتلة الثرية المهيمنة، في تحليل د. صبري، هناك "المستودع الكبير لفقراء هذا الكوكب"، في العالم الثالث، حيث الفقر والتبعية والتهميش ودنيا المعدمين. وقد افترض البنك الدولي أن المعدم "هو من يحصل على دخل يقل عن دولار واحد في اليوم"! وقد قُدر في عام 1995، أن عدد المعدمين في العالم يبلغ 1180 مليون نسمة. ورأى خبراء البنك أن ثمانين مليوناً منهم سيتجاوزون هذا الحد في حدود عام 2000، وأنهم سيكونون من الآسيويين وسكان أميركا اللاتينية. أما أفريقيا والشرق الأوسط، فقد توقعوا لهما زيادة ملموسة في أعداد المعدمين. وخلاصة القول، يقرر د. صبري، "أن العرب مثل شعوب العالم الثالث، يعيش أغلبهم في حالة فقر، ويسقط عدد كبير منهم في هوة الحرمان". ويضيف أن الدول العربية كلها تستثمر أموالها في الغرب: "ولا أتحدث هنا عن دول النفط، لأن ظاهرة الاستثمار في الخارج واضحة في كل أقطار العرب، وفي أفقرها. إن استثمارات المصريين في الغرب أكبر من استثمارات أهل الغرب في مصر". ويقترح المحاضر علاجاً لكل أدواء العرب الاقتصادية ما يسميه بـ"التنمية التكاملية المستقلة".