على ضوء الحديث الذي يدور حول إصدار المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي مذكرة بحق الرئيس السوداني تطالب باعتقاله بتهمة الإبادة الجماعية، يطفو على السطح موضوع السيادة التي تتمتع بها "الدولة الوطنية" في هذه المرحلة من تاريخ البشرية. وهذا أمر ليس بالهين؛ لأن المذكرة هي الأولى من نوعها التي تصدر بحق رئيس دولة ذات سيادة، وهو لا يزال على رأس منصبه، وستكون لها تداعيات خطيرة ستربك المجتمع الدولي والأمم المتحدة. بالتأكيد أن السودان لن يتعامل مباشرة مع هذه المحكمة؛ لأنه لم يقم أساساً بالتوقيع على اتفاقية روما التي أنشأتها، ولأنه ليس عضواً فيها. وفي الوقت نفسه، يكاد يكون من شبه المؤكد أن لا تقوم الحكومة السودانية بتسليم أي من مواطنيها أو مسؤوليها الذين يتهمون رسمياً بأنهم ارتكبوا انتهاكات لحقوق الإنسان في دارفور، فما بالك بالرئيس ذاته الذي يمثل رمزاً لكرامة السودان وشعبه؟ وبالإضافة إلى ذلك، فإن مجلس الأمن الدولي هو الذي يتعامل مع أزمة دارفور لحلها، وهو الجهة التي يخولها المجتمع الدولي بمتابعة تفاصيلها، لذا فإن أي قرار يرى المجتمع الدولي إصداره يجب أن يخرج من مجلس الأمن الدولي، هكذا يقول منطق الأمور على أقل تقدير. وبغض النظر عما يسوقه قضاة المحكمة الجنائية الدولية من مبررات وما يعرضونه من مسوغات، فإن الدول الوطنية في عالم اليوم ذات سيادة، والسودان إحدى هذه الدول وتحظى بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة. وفي وقتنا الحاضر لا تستطيع البشرية الابتعاد عن نظام الدولة الوطنية وسيادتها رغم ما نسمعه من مقولات عبر الأوطان والعولمة المعاصرة التي يُقال إنها ستلغي الدولة الوطنية وتحل محلها. لقد أصبحت الدولة الوطنية ذات نفوذ غير محدود ولديها سلطة عليا على ترابها تطال كل شيء يقع في داخل حدودها بما في ذلك الإنسان ذاته الذي لا هوية له إذا لم تعترف به الدولة الوطنية وتمنحه هويتها. ويوجد جانب رئيسي لهذه الصورة، هو أن الإنسان أناط بالدولة الوطنية ميزة فريدة لا تتقاسمها مع أي تنظيم إنساني آخر، هي خاصية السيادة، ولم يكن من وليد المصادفة أن تكون نظرية السيادة الحديثة قد صيغت في القرن السادس عشر، أي في الوقت الذي كانت فيه فكرة نظام الدولة الوطنية في التبلور. لقد خرجت الأفكار المنهجية الأولى حول الدولة الوطنية وسيادتها في كتابات جان بودان Jean Bodin، يعرف "جان بودان" السيادة بأنها "سلطة الدولة العليا على مواطنيها وأتباعها". وبذلك، فإن الدولة هي القاضي النهائي الذي يحمل القول الفصل حول شؤون مواطنيها الذين لا يجدون قانوناً أعلى من القوانين التي تضعها دولتهم لكي يحتكموا إليها. وفي الوقت الذي هي عليه الحال كذلك في أوقات السلم والرخاء، فإنها أكثر ما تكون انطباقاً وحقيقة أثناء الحروب والقلاقل والاضطرابات والأزمات، وذلك لأنه في تلك الأثناء يوجد لدى الدولة الوطنية الحق في اتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة الأوضاع غير السوية القائمة، وعبر أحكامها وقوانينها يمكن لها أن تحول أكثر صيغ العنف والقتل إلى تصرفات وطنية بطولية. نحن لا ننفي أنه يوجد الكثير الذي يمكن أن يُقال في صالح النقاش الذي يدور حول ما فعلته مقولات العولمة المعاصرة، من تقليص لدور سلطة الدولة الوطنية، ولكن بغض النظر عن الطرح السابق، تبقى الحقيقة أن سيادة الدولة لا تزال قوية حتى الآن، وإلى أن يدور الزمن دورته باتجاه المزيد من التقدم ستبقى السيادة جزءاً أصيلاً من حياة البشرية ومسيرتها السياسية. وعليه فإن المحكمة الجنائية الدولية يجب أن تضع في اعتبارها أن الدول ذات سيادة، وأن قراراتها يجب أن لا تتجاوز حدوداً معينة هي بمثابة خطوط حمراء، خاصة عندما تصل إلى تجريم رئيس دولة وهو في منصبه عن طريق إصدار مذكرات توقيف مشكوك في الأهداف التي ترمي إليها، تخرج في وقت يحاول فيه المجتمع الدولي التوصل إلى حلول مناسبة لمواضيع، كدارفور. ومن الأصداء وردود الأفعال التي صدرت عن منظمات المجتمع الدولي كهيئة الأمم والجامعة العربية، يتضح وجود تحفظات قوية على ما تمارسه هذه المحكمة تجاه السودان ورئيسه. ويتضح ذلك من خلال ما أدلى به أمين عام الأمم المتحدة من تصريحات وما اتخذته الجامعة العربية من موقف من خلال وزراء الخارجية العرب لمنع الاتهامات الموجهة للرئيس السوداني من السير قدماً. لقد اتضح من تلك المواقف أن الجميع يسعى إلى بناء الثقة وتحقيق الاستقرار والعدالة في السودان من خلال التوصل إلى تسويات سياسية تحقق الاستقرار وتوقف الحرب فيه وتحافظ على وحدة ترابه. ومنبع هذه المواقف هو أن السودان يمر بظروف غير عادية، ويبدو أنه مستهدف من قبل العديد من الأطراف الخارجية، وإصدار المحكمة الجنائية لمذكرتها سيجهض العملية السياسة التي تجري ويزيد الأوضاع سوءاً وتعقيداً. لذلك فإن ما قام به المدعي العام فيها عمل غير بريء وغير مسؤول وتقف خلفه أجندة خطيرة، على السودان والعرب الآخرين الانتباه لها جيداً قبل فوات الأوان.