يضم الكتاب الذي نعرض ملخصاً له فيما يلي، رؤيتين مختلفتين لمنهج السياسة الخارجية الأميركية كما يتصورها الحزبان الرئيسيان في الولايات المتحدة؛ إحداهما يقدمها رودولف جولياني الذي خاض في الأشهر الماضية سباقاً داخلياً على ترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة القادمة، والأخرى يطرحها جون إدواردز الذي انخرط هو أيضاً في سباق مماثل داخل الحزب الديمقراطي. فتحت عنوان "نحو سلام واقعي: الدفاع عن الحضارة وهزيمة الإرهابيين بتفعيل النظام الدولي"، يستعرض جولياني تحديات القرن الحادي والعشرين، متوقفاً عند ثلاثة رئيسية منها؛ أولها تحديد مسار للانتصار في حرب النظام الدولي ضد الإرهاب. وثانيها تقوية النظام الدولي الذي يسعى الإرهابيون إلى تدميره. أما الثالث فهو نشر فوائد النظام الدولي متمثلة في الأمن والاستقرار عبر رقعة أكبر حول العالم. ويعتبر جولياني أن أكثر الوسائل فاعلية لمواجهة التحديات السالفة يتمثل في الآتي: بناء دفاع أقوى، وتطوير دبلوماسية مصمِّمة، وتوسيع النفوذ الاقتصادي والثقافي. وبالتغلب على التحديات الثلاثة، فإن الرئيس الأميركي القادم يمكنه بناء أسس سلام واقعي ودائم. وحسب جولياني فإن ذلك لا يمكن أن يتحقق إلا بإيجاد توازن بين الواقعية والمثالية في السياسة الخارجية، أي "السعي لأهداف مثالية عبر وسائل واقعية"، وهو لا يشك في قدرة الولايات المتحدة على كسب معارك الحرب الطويلة؛ فاقتصادها هو الأقوى في العالم المتقدم، ونظامها السياسي أكثر استقراراً من سائر أنظمة عمالقة العالم الاقتصاديين الناشئين، كما أنها هي الجاذب العالمي الأول للمواهب ورأس المال. وعلى الصعيد الدفاعي يذهب جولياني إلى ضرورة تقوية الجيش الأميركي، قائلاً إنه يحتاج زيادة أساسية في عدته وعديده، وإلى إعادة تقييم استراتيجياته وموارده، مع إعادة النظر في كثير من المتطلبات الأخرى، بما في ذلك المضي قدماً في بناء نظام دفاع صاروخي، وضرورة التحسب لاحتمالية الابتزاز النووي، ولتصرفات عدائية من بعض الدول المارقة. وإزاء بعض التحديات الخارجية، يرى جولياني أنه لا غنى أيضاً عن "الدبلوماسية المصممة"، أي الدبلوماسية التي تتفاوض بحزم، لكنها لا تتحاور مع "أولئك الذين عقدوا العزم على تدميرنا، أو أولئك الذين لا يستطيعون الوفاء بالتزاماتهم"، فقد نجحت الولايات المتحدة نجاحاً كبيراً عندما كانت تستخدم القوة والدبلوماسية جنباً إلى جنب، ولكي تحقق السلام الواقعي في المرحلة الحالية، عليها أيضاً أن تربط دبلوماسيتها بباقي أوجه قوتها الأخرى؛ العسكرية والاقتصادية والأخلاقية. أما على صعيد النظام الدولي، فيؤيد جولياني تقوية هذا النظام، وذلك بمواصلة إشراك أوروبا، سواء بوصفها اتحاداً أوروبياً، أو عبر العلاقات التقليدية بين واشنطن وعواصم أوروبا الغربية، فضلاً عن تعزيز روابطها بدول وسط وشرق أوروبا ودول البلطيق والبلقان. وفيما يخص علاقة الولايات المتحدة بكل من الصين وروسيا، يعتقد الكاتب أنها ستظل معقدة في المستقبل المنظور، لأن بكين وموسكو تقوضان مصالحهما الطويلة الأجل من أجل مكاسب آنية قصيرة الأجل. ويكشف جولياني عن نظرته للأمم المتحدة، باعتبارها منظمة مفيدة لبعض الوظائف الإنسانية والأمنية المحدودة فحسب، لكن "يجب أن لا نتوقع الكثير منها"، إذ أثبتت خلال خمسين عاماً الأخيرة عجزها عن تسوية نزاع واحد، وقد فشلت في مكافحة الإرهاب وفي وقف انتهاكات حقوق الإنسان، و"كثيراً ما كانت ضعيفة ومترددة وفاسدة بشكل عام"! أما في الدراسة الثانية، وعنوانها "التواصل مجدداً مع العالم: العودة إلى القيادة الأخلاقية"، فتبدو الرؤية لدى جون إدواردز مختلفة، إذ يرى أن الولايات المتحدة اليوم تحتاج إلى استعادة المكانة الأخلاقية التي ميزت سياستها الخارجية خلال الجزء الأكبر من القرن الماضي، وأنه عليها أن تمضي إلى ما وراء الحطام الذي جاء به الفشل الاستراتيجي في حرب العراق، نحو قيادة العالم عبر "قوة أفكارنا لا عن طريق إثارة الخوف من أولئك الذين لا يشاركوننا هذه الأفكار". ويعطي إدواردز أولوية لإعادة التواصل مع قضايا إنسانية وأخلاقية، تتراوح بين "القتل في دارفور" والفقر العالمي، والتغير المناخي، إضافة إلى إعادة التشارك مع حلفاء الولايات المتحدة، لاسيما في قضايا الأمن الحساسة بما فيها الإرهاب والشرق الأوسط والانتشار النووي. كما يُظهِر اهتماماً خاصاً بإحياء سمعة الولايات المتحدة، خاصة أن استطلاعات الرأي توضح أن صورتها تتهاوى عبر العالم، وعلى الأخص في الدول الإسلامية. ويعتقد إدواردز أنه على الولايات المتحدة أن تواجه الإرهاب وأن تبقى في موضع الهجوم ضد الجماعات الإرهابية وضد أسباب الإرهاب، لكنه يرى أن مقاربة الحرب على الإرهاب "ارتدت علينا واستنفدت جيشنا إلى درجة الانهيار، بينما سمحت لخطر الإرهاب بالنمو"، ذلك أن "الحرب على الإرهاب" هي في حقيقتها شعار صمم للسياسة، وليس استراتيجية، إنه شعار لا خطة. وفيما يخص تحديات القرن الجديد يرى إدواردز أن أخطرها سيكون ظهور جماعات جديدة لا تتبع لدولة، بما يتضمنه ذلك من إعادة تعريف الحدود بين الدول، ونطاق السلطان القضائي الإقليمي، وسلطة القانون الدولي، إضافة للاضطرابات التي تولدها الدول الفاشلة، وكذلك تحديات جهود تشجيع الديمقراطية. وأخيراً، يرى إدواردز أن الخطوة الدبلوماسية الأولى بالنسبة لواشنطن، يجب أن تكون إشراك بقية العالم، بما في ذلك دول الشرق الأوسط وحلفاء أميركا في أوروبا، للعمل على تأمين مستقبل العراق، فذلك مما يسمح في النهاية بإغلاق هذا "الفصل الرهيب"، والمضي قدماً نحو الرد على تحديات أوسع نطاقاً في القرن الحادي والعشرين. محمد ولد المنى الكتاب: رؤيتان للسياسة الخارجية الأميركية: جمهورية وديمقراطية المؤلفان: رودلف جولياني وجون إدواردز الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2008