يعيش الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية وضعاً داخليّاً "سورياليّاً" معقداً ومركباً. فهناك سلطة في الضفة تديرها "فتح" -أو هكذا يفترض! وهناك سلطة أمر واقع في غزة تقودها "حماس". وكلتا السلطتين تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي، فيما الجميع، بمن فيهم "فتح" و"حماس"، يراهن على العامل الخارجي في "حل الصراع"، مفترضين جميعاً -أو هكذا يؤمل- أن لا أفق منظوراً لنجاح المشروع الوطني دون تحقيق الوحدة الوطنية ودون دعم عربي حقيقي لهذا المشروع. ولم يعد خافيّاً على أحد الوضع الذي تعانيه منظمة التحرير الفلسطينية -ليس الآن فحسب، وإنما منذ أيام "أبي عمار" التي فقدت مؤسساتها وجودها الفعلي ودورها المؤثر سابقاً. غير أن الفترة الراهنة شهدت مزيداً من هزال دور المنظمة لصالح "مركز الثقل الجديد" أي السلطة الفلسطينية -تحديداً الحكومة- التي تغوَّلت مؤخراً أكثر من أي وقت مضى فأصبحت تتجاوز جميع مفاصل "المنظمة" بما في ذلك لجنتها التنفيذية، كون "السلطة" تستحوذ على كل دعم عربي ودولي، مما جعل المؤسسات تخضع للسلطة -عمليّاً: للحكومة- بشكل مباشر مقروناً بحالة من الاحتكار للمنظمة، بحيث بات البعض يحذر من أن تفكك "السلطة" ضمن الوضع الحالي يعني تفكك "المنظمة" بل ربما المشروع الوطني الفلسطيني ولو مؤقتاً. وفي سياق متمم، لابد من التناغم مع مطلب حركة "فتح" وغيرها من الفصائل لوقف تغوُّل الحكومة وذلك من خلال إعادة تشكيلها بحيث تضم وزراء أكفاء وشرفاء من الفصائل الفلسطينية والمستقلين تمهيداً لتشكيل حكومة انتقالية تحقق المصالحة الوطنية. فالحكومة الحالية وما هو منوط بها أخطر من أن يترك لرئيس كفء، نعم، لكن ما من وزير في حكومته قادر على أن يترك أثراً في قراراته! ورحم الله "أبا عمار" الذي قيل في فرديته الكثير قبل أن نشهد ما نشهده في أداء هذه الحكومة في هذا النطاق! إزاء هذا الواقع المظلم للمنظمة، ومع تعذر "الوقفة الإصلاحية" الشاملة، يأتي الإلحاح على وقفة "إصلاح" بخصوص الممكن أي إصلاح وضع "اللجنة التنفيذية" وبخاصة أن المفترض -أكرر المفترض- أن هذه "اللجنة" تمثل القيادة الأعلى اليومية للشعب الفلسطيني، على رغم أنها هي نفسها -للأمانة- مسؤولة أيضاً عن "خطف" صلاحياتها وانحسار دورها. وفي ظني أن مذكرة الجبهة الشعبية التي قدمها عضو اللجنة التنفيذية عبدالرحيم ملوح إلى الرئيس عباس عن حال "المنظمة"، ترسم صورة حقيقية عن واقع لجنتها التنفيذية. والمذكرة تعبر -في رأيي- عن وجهات نظر مشابهة أو متطابقة مع آراء كثيرين سبق وأن طرحوها إلى أن تناولها – ملوح - بمذكرة صريحة متمنيّاً على الرئيس تفحصها، وتخصيص جلسة خاصة للجنة التنفيذية لنقاشها، والتقرير بشأنها! وهذا ما وافق عليه الرئيس فوراً فأحالها للبحث منذ أبريل المنصرم. لقد تطرقت المذكرة أولاً إلى اللجنة التنفيذية ودورها، حيث رأت أن "اللجنة" لا تقوم بدورها كقيادة يومية للشعب الفلسطيني بحدوده الدنيا، وضربت أمثلة على ذلك، لخصها – ملوح- بقوله إن "اللجنة" -منذ خروجه من المعتقل- لم تتوقف، ولو مرة، أمام دوائر المنظمة وعملها، ولم يُقدم لها تقرير من مسؤولي هذه الدوائر، ناهيك عن السفارات والمكاتب الفلسطينية وعملها ومتطلباتها، أو تعيين السفراء الجدد، وهذه كلها من مهامها. كما لم يشكل بعد مجلس الصندوق القومي، ولم تقف "اللجنة" أمامه وكيفية تنمية الموارد الخاصة به، وآلية صرفها. كما تطرقت المذكرة إلى علاقة "السلطة" بالمنظمة، مشيرة إلى أن الكل يعرف أن السلطة شكلت بقرار من المجلس المركزي، وبقيت العلاقة بينهما ملتبسة باستثناء القرارات العامة، فهناك حاجة ماسة لتحديد طبيعة العلاقة سياسيّاً وعمليّاً، خاصة بعد أن تحولت "السلطة" بـأكثر من جانب بديلاً عمليّاً للمنظمة، إضافة إلى عدم توقف "اللجنة" أمام أداء "السلطة" لمهامها كونها المرجعية السياسية والقانونية لتلك السلطة. كما أشارت "المذكرة" إلى توقف عمل الكثير من دوائر المنظمة وفي مقدمتها الدائرة السياسية وعلاقتها باللجنة التنفيذية وبالسفارات والمكاتب التمثيلية، ودائرة شؤون اللاجئين وعلاقتها بتجمعات اللاجئين وبمؤتمرات اللاجئين في الخارج، وهيئة العمل الوطني، إضافة إلى وجود دوائر أخرى على الورق فقط. وأشارت المذكرة إلى أمر جد خطير هو أن هناك أعضاءً في "التنفيذية" لا دور لهم سوى الاجتماع، معتبرة أنه موضوع سياسي، لأن له تجليات عدة أهمها أن ملوح وغيره لا يشعرون -كما قالوا- "بأننا شركاء حقيقيون في القرار السياسي وفي تطبيقه العملي، إذ أحياناً كثيرة نلمس عكس ذلك في الكثير من الميادين ومجالات العمل المختلفة، أكان ذلك في دوائر المنظمة ومؤسساتها أو مؤسسات السلطة الوطنية"، علاوة على ضرورة وضع استراتيجية تحديد البدائل لكل قضايا الشعب الفلسطيني وفي مقدمتها الانقسام الخطير القائم وما الذي علينا عمله لإنهاء هذه الحالة التي تغذيها إسرائيل وتضعف وضعنا الذاتي فلسطينيّاً وعربيّاً ودوليّاً. كما يجب التوقف أمام موضوع المفاوضات، الموقف منها ومن إدارتها والخيارات في ظل ما تقوم به إسرائيل من ممارسات. وتطرقت "المذكرة" أيضاً، إلى الأهل في بلدان التهجير والاغتراب وضرورة تجنيدهم لخدمة الأهداف الوطنية وفي مقدمتها حق العودة والآليات المطلوبة لذلك، وعطفت على أهمية إعادة توطيد التحالفات الشعبية والرسمية والعربية والدولية، المستندة لحقوق شعبنا، وتوطيد هذه التحالفات وبنائها على أسس ثابتة. وفي ضوء خبرتي، أستطيع التأكيد بأن ما أورده "ملوح" صحيح تماماً، ويتفق معه معظم أعضاء اللجنة التنفيذية. والحقيقة أن الرئيس "أبو مازن" واعٍ لهذه الحقيقة تماماً إلى درجة أنه ردد، مراراً، ضرورة قيام "اللجنة التنفيذية" بعقد اجتماعات مكثفة لدراسة الحال وتجاوزه -حتى لو لم يحضر هو هذه الاجتماعات- على أن تقر خلاصات تلك اللقاءات في اجتماع شامل للجنة. وهنا أضيف أنه لابد من تفعيل الحوار، بمشاركة كافة فصائل المنظمة والقوى الإسلامية خارجها ذلك أن "المنظمة"، رسميّاً ومعنويّاً، هي مظلة الشعب على رغم كونها تعاني من خلل بنيوي داخلي مفاده: هل هي تمثل الشعب أم مجرد تيارات سياسية عفا الزمن على معظمها؟ مع أنها في دورها المفترض تمثل الشعب بكل تياراته ولا تمثل تياراً سياسيّاً بعينه. وبدون حل مشكلة الانقسام الحاصل، فإن دور "المنظمة" سيبقى على ما هو عليه، الأمر الذي يؤشر على ضرورة احتضان المنظمة لحركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، مع ضرورة إعادة تشكيل المجلس الوطني على أساس قانون انتخاب يقوم على التمثيل النسبي.