تعاني شعوب العالم النامي من مشاكل لا حصر لها، وتحارب الدول الفقيرة على جبهات عدة لكي تتخلص من الأوضاع البائسة التي تخنقها خنقاً وتهدد بأن تجعل العديد منها دولاً فاشلة. ومن أهم الجبهات التي تحارب عليها شعوب دول العالم النامي جبهتا الفقر المدقع والإرهاب، وهما جبهتان تدور عليهما حروب غير تقليدية لم يشهد لها العالم مثيلاً من قبل. والواقع أن مسؤولية هذه الحروب الجديدة لا تقع على عاتق شعوب العالم النامي وحدها، بل تتخطى ذلك لكي تصبح مسؤولية كافة دول العالم غنيها قبل فقيرها؛ لأن فقراء العالم وحدهم لا يستطيعون فعل الكثير، وإن كان لهم دورهم الذي يقومون به. بالنسبة لقضية الإرهاب، هي كالفيروس المعدي الذي لا يمكن رؤيته أو الحد منه بالوسائل التقليدية، فإلى الآن لا توجد دولة تقول عن نفسها إنها إرهابية أو راعية للإرهاب الدولي رغم التصنيفات التي توردها دول الغرب لبعض من دول العالم النامي، وهذا يعني أنه لا يوجد أمام العالم أعداء محددين في شكل دول يمكن محاربتها بالوسائل التقليدية، وأنه لا فائدة من جيوش الدول؛ لأنه لا توجد في مقابلها جيوش للإرهابيين يمكن محاربتها، فهي حرب غير متكافئة يشنها شخص أو جماعة ضد أهداف ليس لها علاقة بالحروب. ولكن ما الذي يستطيع العالم فعله أمام هذه المعضلة، فالعدو خافٍ حتى يضرب ضربته التي قد يموت فيها أو يفجر هدفه عن بعد ويهرب؟ وإلى الآن الإجابة على هذا السؤال غير متوافرة، وكل ما يمكن قوله حولها هو أنه لكي يمكن للعالم أن يصبح قادراً على محاربة الإرهاب وقهره، عليه أن يبحث لنفسه عن استراتيجيات عالمية جديدة ووسائل وطرق مستحدثة بعيداً عن كل ما يستخدم حتى الآن. ولكي يصبح كفؤاً في هذا السياق عليه أن يهاجم الأفكار التي ينادي بها الإرهابيون ووسائل تمويلهم والاقتصاد المخفي الذي يعتاشون عليه والبنى السياسية التي يستخدمونها. وإذا ما أراد العالم العيش بسلام وهو خالٍ من الإرهاب فلابد له من انتهاج سياسة كونية تقوم على استخدام موارده المتاحة بهدف القضاء على الإرهاب، وهذا يحتاج إلى استراتيجية جديدة ذات أبعاد ثلاثة هي القوة العسكرية والاقتصاد والجانب السياسي. هنا توجد قضية مفصلية لابد من توضيحها، فالأمن الدولي يمكن تحقيقه عن طريق سياسة تقوم في جانب منها على ردع الإرهاب، وهو في مهده، فالقوانين الدولية المستخدمة لابد أن تأخذ في الحسبان أن الحرب غير التقليدية وغير المتكافئة، قد غيرت العديد من مفاهيم العلاقات الدولية. لذلك فإن مجلس الأمن الدولي لابد أن يكون قادراً على التحرك السريع عن طريق استخدام قوة رد فعل يعتد بها عند الحاجة. وإذا ما اشتبه بأن أقطاراً معينة تدعم الإرهاب ولا تبدي رغبة في الاستجابة مع الوسائل الدولية المستخدمة للكشف عن الإرهابيين، فعند ذلك يمكن لمجلس الأمن الدولي أن يتصرف بطريقة رادعة بالتدخل المباشر في تلك الدول بموافقة المجتمع الدولي، وأمر من هذا القبيل سيضع المزيد من الضغوط على الدول الراعية للإرهاب. أما بالنسبة للفقر، فإن القضاء عليه لا يزال بعيداً عن متناول أيدي شعوب العالم النامي، الواقع أنه في وسط هذه الشعوب يشكل الإرهاب الوجه الآخر للعملة، حيث تشكل شعوب الدول الفقيرة أرضاً مثالية خصبة لاصطياد الشباب البريء وتحويلهم إلى إرهابيين بسبب الفقر المدقع الذي يعيشون فيه مع أسرهم. والدول الغنية في العالم الصناعي لا تريد معالجة المشكلة بشكل صحيح؛ لأنها تعتقد أنها ستتحمل العبء كاملاً، وهي تنادي بوسائل لو استخدمت على إطلاقها ستزيد من إفقار شعوب دول العالم النامي كافة، خاصة سياسات الأبواب المفتوحة على مصراعيها ومقولات التجارة الحرة. في تقديرنا أن القضاء على الفقر مفتاح مهم للقضاء على الإرهاب، فعندما توجد فرص حقيقية أمام شباب العالم النامي للكسب والعيش الشريفين للخروج من دوائر الفقر، فإنهم سيكونون مشغولين بأعمالهم وأمور معيشتهم عوضاً عن الانشغال بقضايا تدفع بهم إلى هاوية الإرهاب. لذلك توجد فرصة لنشل الدول الفقيرة من دائرة الفشل، وفي سياق ذلك توجد حاجة إلى إقامة وضع عالمي جديد عن طريق استخدام استراتيجية جديدة تقوم على وجود أقطاب عالمية عدة تلعب دورها المطلوب في شؤون العالم. إن البحث عن السلام العالمي وتحقيق الرفاهية لكافة شعوب الأرض، قضيتان نبيلتان يجب على العالم استخدامهما بكفاءة للقضاء على الإرهاب.