تناول أحد المقالات المنشورة بصفحات "وجهات نظر"، يوم الأربعاء الماضي، موضوع دور قادة الرأي في المجتمع الإماراتي، منتقداً محدودية هذا الدور في التعاطي مع القضايا والهموم الوطنية الحيوية، ومشيراً إلى مظاهر قصور عدة في أداء هذا الدور. والمؤكد أن بعض النقاط التي تناولها الكاتب تستحق بالفعل تسليط الضوء عليها وبحثها من جانب المعنيّين، وفي مقدمة هذه النقاط ما يتعلق بمسألة غياب أو تغييب بعض القضايا والموضوعات التي تحدث أحياناً في الداخل عن دائرة الاهتمام والمعالجة الإعلامية. ففي بعض الأحيان تشهد الدولة اعتصامات عمالية، محدودة أو واسعة النطاق، ثم تصدر صحفنا المحلية في اليوم التالي وكأن شيئاً لم يحدث! ما يطرح بدوره تساؤلاً بديهياً: هل تجاهل خبر كهذا أمر إيجابي سواء من المنظور المهني، أو انطلاقاً من المصلحة العامة؟ مجمل الشواهد لا تشير إلى أن التجاهل في مثل هذه الأحوال يبدو قراراً مهنيّاً صائباً لأسباب عدة، أولها، أننا نمنح الآخرين "كارت على بياض" للغمز واللمز والمراوحة بين التلميح والتصريح، والتهوين والتهويل كل حسب "نواياه" واتجاهاته وحساباته، ناهيك عن الشائعات والرسائل النصية التي تنتشر كالفطر في حالات كهذه، وفوق هذا كله فإن تجاهل أحداث داخلية يفوّت علينا فرصة امتلاك زمام المبادرة، ووضع الحقائق في نصابها، وتفويت الفرصة على المبالغات الإعلامية، ناهيك عما يمنحه ذلك للإعلام المحلي من صدقية كمرجعية لما يحدث بالداخل، ليس في نظر القارئ المحلي فقط، ولكن على الصعيد الخارجي أيضاً. التجاهل إذاً لا يغيّب الحدث عن الواجهة الإعلامية بقدر ما ينال من صدقية إعلامنا وشفافيته، فضلاً عن كونه يعزز بشكل غير مباشر صدقية الآخرين، فهو سحب من رصيد إعلامنا لمصلحة آخرين، وهذه مسألة لا نعتقد أنها تتماهى مع طموحات الدولة التي تتطلع إلى تطوير آلة إعلامية تلحق بركب الإنجازات المحققة في قطاعات التنمية الأخرى، وتواكبها من حيث التطور والتنافسية الدولية. فمن يتابع الصحف العربية والأجنبية يرى أمثلة كثيرة على ما سبق، ويدرك أن هناك حالات كثيرة كان غياب الإعلام المحلي أو تأخره في تغطيتها مثاراً للقيل والقال، وفرصة لدخول آخرين على خط الحدث وتأطيره وفق منظور معيّن يتماشى مع وجهة نظر الوسيلة الإعلامية القائمة بالتغطية وسياساتها التحريرية، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك منها حدث الاعتصام الذي قامت به مجموعة من المعلمين أمام مقر وزارة التربية والتعليم بدبي في الآونة الأخيرة، حيث تناولته عشرات المواقع الإلكترونية وصحف عربية ووكالات أنباء عالمية، ومع ذلك ظل الحدث غائباً لأيام بشكل لافت للنظر عن اهتمام الصحف المحلية، سواء من حيث التغطية الإعلامية، أو من حيث التعليق على الحدث، وذلك على الرغم من حيوية الموضوع واتصاله المباشر بملف استراتيجي هو ملف التعليم. هناك أيضاً حدث إلقاء القبض على بريطانية بتهمة ممارسة فعل فاضح على أحد شواطئ مدينة دبي مؤخراً، وهو بالمناسبة حدث حظي بتغطيات متعددة من الصحف البريطانية التي تنوعت تغطياتها بين المستوى المهني الاحترافي البحت، ومحاولات الضغط على السلطات الإماراتية إعلاميّاً، عبر إثارة مزاعم مفتعلة يمكن اعتبارها جزءاً من العمل الإعلامي الموجّه. ثمة قضية حيوية أخرى تتصل بعلاقة صحفنا المحلية بالقضايا الوطنية، فهناك بالفعل تساؤلات مطروحة، وقد يكون من المجدي أن تتصدّى الجهات ذات الصلة، خصوصاً المهنية منها، بمناقشة هذه الموضوعات وسبر أغوارها من أجل تطوير الصحافة المحلية وتطورها وضمان تنافسيتها، سواء في مواجهة منافسة ليست هيّنة من جانب الإعلام البديل (المواقع الإلكترونية)، أو الفضائيات الإخبارية، وأيضاً الصحف الجديدة الصادرة باللغة الإنجليزية في البلاد.