آربور: ماذا غيرت سنوات "التغيير" والنقد؟!


بقدر ما كان أداؤها العام خلال توليها رئاسة المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، مثار انتقاد من الدوائر الرسمية الأميركية، كان تركها ذلك المنصب مثار امتعاض لدى مواطنيها الكنديين إزاء حكومتهم التي يتهمونها بالتبعية الأيديولوجية لمحافظي واشنطن الجدد... إنها لويز آربور التي انتهت ولايتها الأولى كمفوضة سامية لحقوق الإنسان، يوم الثلاثين من يونيو المنصرم، رافضة الترشح لولاية ثانية في منصبها الدولي الرفيع والحساس! فبعد أربع سنوات من قيادتها للمفوضية الأممية، عادت آربور الأسبوع الماضي من جنيف، حيث مقر المفوضية، إلى وطنها كندا، بالتزامن مع موجة انتقادات وجهتها الصحف الكندية مُعتبِرةً أن عدم ترشيح المفوضة السامية لدورة ثانية، هو خسارة لوطنها كندا أولاً، وللعالم المهتم برعاية وتطوير حقوق الإنسان ثانياً.

وقد أعلنت آربور في السابع من مارس الفائت عدم السعي لفترة ثانية على رأس المفوضية، مؤكدة بذلك شائعات متداولة منذ عدة أشهر، لكنها لم تقدم تعليلاً لعدم رغبتها أكثر من القول إنها تعود لـ"أسباب شخصية". بيد أن آربور اعترفت أنها "تعرضت لضغوط وانتقادات علنية غير عادلة بالمرة"، وأنها شعرت بالألم جراء "هجمات شخصية، شككت في مصداقيتي ومصداقية الموظفين العاملين ميدانياً".

وفي آخر لقاء لها مع الصحافة، يوم 19 من الشهر الماضي، بدت آربور بروح معنوية أقل مما كانت عليه إبان تسلمها رئاسة المفوضية، كما اتضح جلياً أن أجواء علاقتها مع الإدارة الأميركية تبدلت هي أيضاً. فبدعم قوي من واشنطن، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في فبراير 2004، على مقترح أمين عام الأمم المتحدة بتعيين لويز آربور مفوضة سامية لحقوق الإنسان، خلفاً لسيرجيو دي ميلو الذي قتل في تفجير لمقر الأمم المتحدة ببغداد في أغسطس 2003. قرار يبرره ذلك التاريخ المهني الطويل لآربور، كمحامية وكقاضية بارزة؛ فقد اشتهرت عام 1999 عندما تولت رئاسة الادعاء العام في المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة، حيث وجهت تهمة ارتكاب جرائم حرب ضد الرئيس الصربي السابق ميلوسيفيتش، واستطاعت بصرامتها زيادة عدد المشتبه بهم ممن وجهت لهم تهم ارتكاب جرائم حرب من سبعة مسؤولين إلى 34 مسؤولاً في نظام كان يعد خصماً لواشنطن. كما سبق لآربور أن عُينت عام 1996 رئيسة للادعاء في محكمة جنائية دولية أخرى خاصة بمجازر رواندا. وقبل ذلك كانت آربور قد بنت لنفسها تاريخاً مهنياً طويلاً في بلدها كندا، فرغم أن ابنة الثري ومالك السلسلة الفندقية المحلية، المولودة في مونتريال عام 1947، توجهت بعد تخرجها من مدرسة "نوتردام" الكنسية، إلى دراسة الفن، فإن مسار حياتها تغير حين قررت الالتحاق بمكتب للمحاماة عام 1970، انتقلت منه إلى المحكمة الاتحادية الكندية العليا في كبك، حيث نالت في الوقت نفسه شهادة من أشهر كلية حقوق في تورينتو، ولترتدي "الروب" وتلتحق بقاعات المحامين عام 1977. في ذلك العام اعتُمِدت آربور كباحثة في لجنة إصلاح القانون الكندية، وأصبحت أستاذة مساعدة ونائب عميد في كلية "أوسفود هال"، فتم تعيينها قاضية في محكمة لونتاريو العليا كأول امرأة وأول ناطق بالفرنسية يشغل ذلك المنصب. وفي خطوة صعود أخرى، عُينت قاضياً لدى محكمة الادعاء في لونتاريو عام 1990، ثم اختيرت عام 1995 لتترأس لجنة خاصة للتحقيق في أحداث سجن لونتاريو للنساء.

بماضٍ مهني ناجح، دخلت آربور إلى مكتبها في جنيف، ولم تركن إلى الجلوس طويلاً على الكراسي الوثيرة وراء الأبواب المغلقة، بل توجهت بنفسها إلى كثير من بقاع الأرض، كاشفة ومستقصية أحوال حقوق الإنسان؛ فزارت القوقاز وفيتنام والفلبين وإندونيسيا وأفغانستان وإيران وباكستان والهند وبنغلاديش والصين وكوريا الشمالية... ودولا أخرى في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا (خاصة منطقة البحيرات العظمى).

وخلال سني عملها على رأس المفوضية، لم تفتقر آربور للجرأة في النقد وقول "الحقيقة"، ولم تتردد في انتقاد حكومات الدول الكبرى؛ فهاجمت روسيا خلال زيارتين قامت بهما الى لموسكو، ومنها سافرت إلى القوقاز، وأعربت عن قلقها من أوضاع اللاجئين الشيشانيين قائلة إن ثمة مناخاً حقيقياً من الخوف في الشيشان. كما اتهمت واشنطن علناً بالعمل على إعاقة جهود مكافحة التعذيب، وطالبتها بإغلاق معتقل جوانتانامو، وأدانت قيامها بـ"خطف المشتبه بهم ونقلهم إلى أماكن قد يواجهون فيها التعذيب"، كما نددت بأحكام الإعدام ضد عدد من رموز النظام العراقي السابق. وانتقدت أيضاً بريطانيا لسعيها، مع دول أخرى، لإقرار "اتفاقات تسمح بترحيل المتشددين إلى دول لديها سجل غير آمن في مجال حقوق الإنسان".

لكن بالمقابل، تعرضت آربور لانتقادات جاءت أكثر حدة من واشنطن التي اعتبرت تقارير المفوضة، لاسيما حول جوانتانامو، مختلقة وغير مهنية، متهمة إياها بالاعتماد على مواد صحفية، وبالفشل في التركيز على قضايا حقوق الإنسان الرئيسية في العالم. كما انتقدتها دول كثيرة مثل الصين وإسرائيل وإيران وباكستان والمغرب والسودان... متهمة إياها بالافتقار للحياد والتوازن وبفرض منظور خاص لحقوق الإنسان.

قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، الصادر عام 1993، والمنشئ لمنصب المفوض السامي لحقوق الإنسان، يعتبره المسؤول الرئيسي عن أنشطة الأمم المتحدة في ميدان حقوق الإنسان، وهو يقوم بمهامه تحت سلطة الأمين العام. لكن آربور تعد أكثر الشخصيات الأربع التي تعاقبت على المنصب إلى الآن، ميلاً للعمل في "استقلال" عن أمينين عامين عاصرتهما (عنان ومون)... ولهذا السبب ربما كان أكبر تغييراتها الملموسة، تعزيز مكتب المفوضية الذي ارتفع عدد موظفيه من 583 إلى 984، وارتفعت ميزانيته من 172 مليون دولار عام 2004 إلى 312 مليون دولار حالياً.

ويبقى السؤال الذي يشير إلى ما يتخطى حدود طاقة الأفراد، وأغلب المؤسسات أيضاً: ماذا تغير جوهرياً، خلال أربع سنوات هي عهد المفوضة لويز آربور، على صعيد الممارسة والموقف من حقوق الإنسان، في أنحاء العالم؟



محمد ولد المنى