حظي تقرير صدر مؤخراً عن دائرة التخطيط والاقتصاد في إمارة أبوظبي باهتمام ملحوظ من الصحافة الاقتصادية المتخصصة، حيث سلطت بعض وسائل الإعلام الأجنبية الضوء على ما ورد في التقرير، الذي صدر في نهاية الأسبوع الأول من الشهر الجاري. لم يتضمن التقرير أموراً مغايرة للسياسة المالية للدولة، حيث أكد التقرير أن قرار فك ارتباط الدرهم بالدولار "ليس بالقرار السهل". والأهم من ذلك أن التقرير تضمن الإشارة إلى الموقف الرسمي لدولة الإمارات حتى الآن بشأن رفض فك ارتباط العملة المحلية بالدولار مشيراً إلى أسباب اعتبرها التقرير "منطقية" وراء تبني هذا التوجه حتى الآن. التقرير تعرض للجوانب السلبية والإيجابية في ارتباط الدرهم بالدولار وتضمن توصيات ومقترحات للتعامل مع التطورات المستقبلية على هذا الصعيد، ولكن ما حدث أن بعض وسائل الإعلام الأجنبية، وربما لا تكون في ذلك مبالغة أو تجاوز لقواعد الحرفية المهنية، تعاملت مع التقرير باعتباره انعكاساً لتفكير سائد ونقاشات داخلية دائرة حول فك الارتباط، ما دفع أحد التقارير إلى القول إن دائرة التخطيط والاقتصاد قد أحيت التخمينات بشأن احتمال إقدام الإمارات على إنهاء الارتباط بالدولار، وأنها أعادت إلى الواجهة فكرة اعتماد سلة من العملات قبل تشكيل اتحاد نقدي في مجلس التعاون الذي يصل عدد أعضائه إلى ستة. تقرير دائرة التخطيط والاقتصاد لم يتضمن، كما أشرنا، ما يخالف السياسة الرسمية للدولة، ولكن توقيت نشره، بعد فترة من الهدوء الذي أعقب تخمينات وجدل مطول بأن الإمارات على وشك التخلي عن الدولار، جذب وسائل الإعلام التي تضع أي حراك خليجي أو إماراتي على صعيد العملات تحت المجهر، وأوحى للإعلام بأن هناك شيئاً ما يلوح في الأفق. التغطيات في بعض الصحف الغربية المتخصصة نقلت عن خبراء قناعتهم بعدم وجود مؤشرات على حدوث تغير وشيك في سياسة الإمارات المالية، ولكن هذه التغطيات اعتبرت بالمقابل أن التقرير يعكس بشكل واضح وجود توجه فكري نحو خطوة كهذه، حيث أكد خبير بمصرف بريطاني يعمل في الدولة أنه لا يتوقع حدوث أي تغيير على المدى القريب، ولكنه اعتبر أن تقرير دائرة التخطيط والاقتصاد يشير إلى أن النقاش حول هذه المسألة مستمر، معتبرا ذلك مؤشراً على أن "التغيير قريب". الأهمية التي حظي بها تقرير دائرة التخطيط والاقتصاد نابعة من عاملين أولهما اهتمام الإعلام بملف السياسات المالية للإمارات وبقية دول "التعاون"، ورصد أي إشارات أو إيحاءات ذات صلة، والعامل الثاني نابع من موقع الدائرة باعتبارها مؤسسة حكومية وجزءاً من صناعة القرار الاقتصادي في إمارة أبوظبي تحديداً، وعلى المستوى الاتحادي بالتبعية؛ ما يجعل الإعلام يتلقف أي إشارة أو تقرير يصدر عنها، خصوصاً إذا تضمن ما يوحي بعدم الرضا عن الارتباط الحالي بالدولار أو التفكير في التخلي عنه. حالة النقاش والجدل العلمي هذه ربما تمثل عارضاً إيجابيّاً ومؤشراً صحيّاً بحد ذاتها باعتبارها جزءاً من اهتمام الدائرة وغيرها من المؤسسات الرسمية بالبحث والدراسة وتبادل الآراء حول أمور حيوية كهذه، بل إنها حالة مطلوبة وبشدة؛ ولكن إذا سلمنا بأن لكثير من الأمور إيجابياتها وسلبياتها، فإن التفكير بـ"صوت عالٍ" -إن صح التعبير- قد يوحي للبعض بوجود قدر من التضارب في السياسات المالية، أو حتى بوجود اتجاه لتغيير هذه السياسات في وقت قد لا يكون هذا صحيحاً، ولا مطلوباً بالتبعية الإيحاء بذلك أو حتى استنتاجه خطأ من جانب الآخرين، لاسيما بالنسبة إلى ملفات يتهافت الإعلام والمضاربون أيضاً وراء أخبارها، كارتباط العملة المحلية بالدولار، وهو ملف يدرك الجميع أن الجهات المعنية بذلت جهداً في دحض التخمينات التي خيمت على الأسواق لفترة بشأن نية الإمارات "فك الارتباط". عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية