في الأسبوع المنصرم نُشرت تقارير صحفية دولية تحوي أرقاماً لا أدري كيف أصفها؟ ولنأخذها واحداً تلو الآخر: - تقرير يقول: إنَّ أموال الأثرياء العرب حققت زيادة تقدر بـ18% لترتفع أرصدتهم من 1.4 تريليون دولار عام 2006، إلى 1.7 تريليون دولار عام 2007. كيف حدثت هذه القفزة؟ يقول التقرير إن الثراء المتراكم تم بفعل (الفورة) الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط في المنطقة، ويتوقع التقرير أن ترتفع ثروات العرب إلى 3.4 تريليون دولار بحلول سنة 2012! - تقرير آخر يذكر أن دولتين خليجيتين بلغ عدد الأثرياء فيهما 178 ألف ثري، يملكون (فقط) 273 مليار دولار في سنة 2007. - تقرير ثالث صادر عن الأمم المتحدة، عبر هيئة التجارة والتنمية، أشار إلى أن حجم الأموال المختلسة في الدول العربية من خلال الفساد الإداري يقدر بـ300 مليار دولار، وهو ما يكفي لخلق أكثر من 20 مليون فرصة عمل، ما يُنهي بشكل شبه تام أزمة البطالة التي تؤرق حكومات الوطن العربي! ولنا تعليقات على هذه التقارير والإحصائيات: التقرير الأول يُشير إلى تزايد أعداد أثرياء العرب، ولكنه لم يقل لنا أي عرب.. عرب الماء، أم عرب النفط؟ كما لم يقل لنا عدد (الفقراء) العرب الذين هم فوق خط الفقر، بقليل وتحته بكثير؟ كم ملاليم تملك تلك الملايين؟ الحقيقة أن الفقراء يتزايدون في عالمنا العربي بنسب تفوق المتخيل قياساً لمن يصعدون درجة أو درجتين ليصلوا -فقط- لفئات أصحاب "الستر"، وهي فئات مستحدثة في لغة الاقتصاد العالمي، ويمتلك تسميتها عالمنا العربي حصريّاً. الثراء العربي لم ينعكس إلا على شكل زيادات فلكية في أرصدة الأثرياء، أما الأراضي الزراعية فقد بارَتْ لأن عمائر "الديلوكس" حلت محلها، والمصانع تُقفل على حساب إقامة مدن الملاهي.. أو المُجمَّعات المالية العالمية، التي تشاهد فيها الأسهم "الحمراء" و"الخضراء" وهي تتقافز ثانيةً وراء ثانية. حتى الحدائق العمومية وشواطئ السواد من الناس تحولت إلى "مولات" وفنادق، الدخول من خلال بواباتها -فقط- يستوجب أن تدفع رسوماً مقابلها.. (بشويّة وشويّات!!) الثراء العربي انعكس على شكل غلاء ونحافة مرضية للرغيف، وانقطاع للمياه والكهرباء وزيادة مبالغها المُفوْترة وغير المُفوترة؛ الثراء العربي تمثل في أعداد مالكي الطائرات الخاصة واليخوت، التي تعادل رسوم انتظارها على أراضي المطارات ومياه المارينات دخل ثلث بلاد العرب.. فقط! وللإنصاف نريد الاعتراف بأن فئة العاملين في الفن (والمسؤولية تقع على القراء في تحديد الهابط منه والصاعد)، قد تأثرت إيجاباً بهذا الثراء العربي الذي لم يُحدَّد مكانه وشخوصه! يبقى أمر التقرير الثاني وعنه نقول: المئة والثمانية والسبعون ألفاً من الأثرياء في دولتين خليجيتين -فقط- يمثلون أقل من 2% من مجموع سكان دول الخليج مجتمعة، ويملكون أكثر من نصف الدخل الوطني لبلدانهم؛ أليس في هذا نوعٌ من عدم التوازن والاختلال؟ وإن نحن أقررنا هذه الأرقام مع إثبات صحتها -فرَضاً- تحت إلحاح الثابت من الدين في أن الله هو الرزاق والموزع بين الناس أقواتهم، أو تحت جبرية الانصياع لقوانين الأسواق المفتوحة وآليات الثراء عبرها، فإننا وعلى رغم ذلك نتعجب أن يبقى محتاج وفقير في بلدان تقدر زكاة أموال الأثرياء جداً فيها بحوالي سبعة مليارات من العملة الخضراء! وإن نحن أضفنا الهبات والتبرعات -المُفترضة- لرقم الزكاة فإننا سنخرج برقم 10 مليارات دولار على الأقل. أين تذهب تلك الأموال المُتوجِّب دفعها، دينياً واجتماعياً؟ هل فعلاً أنها صُرفت، أم تبخرت في قنوات الترهُّل والفساد الإداري؟ أم أنها لم تخرج أصلاً لتفسد وتُزكم برائحتها الجيوب الأنفية، والملابسية؟ هي أرقام مذهلة ودلالاتها خطرة ومُربكة ومُخيفة، وعندي أمل بسيط ألا تكون تلك التقارير صحيحة، وأن تكون مُلفقة ومبالغا فيها، لأنها إن صحت فذلك يدعو إلى أن نستنتج أمرين من كل ذلك: الأمر الأول: هو أن الفورة -أو الطفرة- التي لا أظن أنها مسبوقة ولن تتكرر بسهولة، قد أمطر سحابُها الصيفي على رقعة صغيرة من أرض واسعة عطشى، وفي ذلك غِبن للأجيال المحرومة في وقتنا الحاضر وفي قادم الأيام والسنين، وستكون لهذا العمى الاقتصادي مخاطر على العقد الاجتماعي، ونسفٌ لحقوق المال في الإسلام الذي نؤمن به. الأمر الثاني: أن هذا الخلل الجسيم، والخطأ التاريخي، يظهر إلى أي حدٍّ هي قاصرة آلياتنا في تضييق الفجوة بين الطبقات، فلا ركن الإسلام العظيم (الزكاة) فُعِّل.. وإلا لم تُظهر تلك الأرقام المثيرة استفزازاتها. ومن جانب آخر لم نستفد من تجارب الأمم الأخرى في هذا الشأن، ولننظُر -مثلاً- للتجربة الإسكندنافية التي سمحت بالثراء والاغتناء، ولكن مقابل دفع ضريبة متصاعدة على كل "كرونة" تزيد عن الجهد المبذول وتوقع العطاء في الإنتاج والعمل. أما التقرير الدولي الأخير والذي يتحدث عن الفساد في العالم العربي، فإنني أحيله للتقرير الأول، والصلة بين الاثنين وطيدة، ولمزيد من الملل والحزن أرجو إعادة قراءة المقال من جديد.. ومن الأول!