حين يتهم جنرال أميركي بارز جيش بلاده بارتكاب جرائم حرب في سياق تعامله مع المعتقلين، فلا بد أن ندرك أننا بحاجة ملحة إلى مسار جديد. "فلم يعد هناك أدنى شك حول ارتكاب الإدارة الحالية لجرائم الحرب"، هذا ما أعلنه أنتونيو تاجوبا، الجنرال المتقاعد الذي تولى مهام التحقيق في إساءة معاملة السجناء في العراق، خلال تقرير مجلجل له حول ممارسة الولايات المتحدة للتعذيب، نشرته منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان". وتساءل الجنرال تاجوبا: هل ستتم محاسبة أولئك الذين أمروا بممارسات التعذيب هذه أم لا؟ وفي اعتقادي الشخصي أن الخطوة الأولى نحو المحاسبة ليست توجيه الاتهامات لمن أمروا بهذه الممارسات، بل السعي إلى تشكيل "لجنة قومية من أجل الحقيقة" توكل لها مهمة البحث عن روح الأمة الأميركية وتطهيرها مما لحق بها من خطايا وذنوب. ذلك هو عين ما فعلته جنوب أفريقيا إثر انهيار نظام الفصل العنصري، بإنشائها "لجنة الحقيقة والمصالحة". وهذا أيضاً عين ما فعلته الولايات المتحدة الأميركية نفسها بإنشائها "لجنة كيرنر" بشأن التمييز العرقي، وكذلك اللجنة القومية التي أنشأتها في عقد الثمانينيات بهدف التحقيق في اعتقال الأميركيين من أصل ياباني خلال الحرب العالمية الثانية. ونحن اليوم في أمس الحاجة إلى إنشاء لجنة قومية من أجل الحقيقة، تكون لها من الصلاحيات والتفويض ما يؤهلها للتحقيق في مجمل الانتهاكات التي ارتكبتها بلادنا عقب هجمات 11 سبتمبر. ونحن ندرك سلفاً أن الولايات المتحدة قد احتفظت باسم الزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا على قائمتها الخاصة بمراقبة الإرهابيين حتى وقت قريب جداً، وأن الجيش الأميركي درب جنوده على أساليب تحقيق مقتبسة حرفياً من الأساليب الصينية التي اتبعت لكسر إرادة سجناء الحرب الأميركيين إبان الحرب الكورية، رغم معرفة الجيش بأن تلك الأساليب لم تثمر إلا اعترافات زائفة أراد الذين أدلوا بها التخلص من قسوة التعذيب الذي تعرضوا له. وإنه لعار كبير للأمة الأميركية كلها أن يموت ما يزيد على 100 سجين من سجناء حربنا على الإرهاب في السجون التي نتولى إدارتها في كل من أفغانستان والعراق وجوانتانامو. فبعد وفاة اثنين من المعتقلين في أفغانستان من شدة الضرب، اكتشفت اللجنة العسكرية التي حققت في ملابسات وفاتهما أن قدم أحدهما قد "قشرت" أنسجتها كما يقشر البرتقال والموز! والعار الأكبر أن غالبية الذين عذبناهم كانوا من الأبرياء. وهذا ما دفع مجموعة "ماك كلاتشي" الصحفية إلى وصف الإدارة بعدم الكفاءة واللاأخلاقية معاً. وقد نشرت هذه المجموعة سلسلة من التقارير حول الانتهاكات الأخرى المرتكبة بحق سجناء الحرب على الإرهاب. وضمن تلك التقارير أوردت تصريحاً لتوماس وايت، وزير الجيش الأسبق قال فيه: "لقد كان واضحاً منذ اللحظة التي تم فيها افتتاح سجن جوانتانامو أن ثلث المعتقلين الذين زُجَّ بهم فيه كانوا من الأبرياء". وذكرت مجموعة "ماك كلاتشي" أن أحد هؤلاء السجناء واسمه "محمد اختيار" كان معروفاً للكل بولائه لأميركا، عدا سجانيه وجلاديه من الجنود الأميركيين. وبسبب ذلك الولاء المكشوف كان يبصق على وجهه بعض زملائه من المقاتلين المعتقلين، بل يضربونه ويرمونه بالكفر بسبب معارضته لحركة "طالبان"! هذا وقد حدثت هذه الانتهاكات -إلى حد ما- بسبب عجز أجهزتنا ومؤسساتنا طوال بضع سنوات أعقبت هجمات 11 سبتمبر عن القيام بمهامها الموكلة إليها. وضمن ذلك راوغ النواب وأعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيون أكثر من أن يقفوا وقفة معارضة حقيقية لممارسات الجهاز التنفيذي. أما صحافتنا فلعبت دوراً تابعاً أكثر من كونها جهازاًَ حقيقياً للرقابة والكشف عن ممارسات الإدارة. والنتيجة أن صحافتنا خذلت جمهورها. غير أن هذا لا ينفي حقيقة وجود أبطال قاموا بأداء دورهم على أكمل وجه، نذكر من بينهم مجموعات الدفاع عن الحريات المدنية ومحامي المعتقلين. ثم هناك قضاة وقفوا أمام هذه الممارسات بينما جهر بعض المحافظين داخل الإدارة بانتقاداتهم القوية لها. ومن الذين أبدي إعجاباً خاصاً بهم، المحامون العسكريون الذين ضحوا بوظائفهم وتحدوا وزارة الدفاع بل واجهوا أصدقاءهم وندماءهم الشخصيين دفاعاً عن المشتبه بهم. وفي وقت تسرعت فيه أمتنا في أخذها لعدد من الأبرياء بجرائم لم يرتكبوها، سلك هؤلاء المحامون الطريق الصعب... طريق الدفاع المستميت عن أخلاقيات المهنة وشرفها. وهذا ما يؤهلهم لاستحقاق منحهم الميداليات عن جدارة، اعترافاً بشجاعتهم ودفاعهم عن الضمير المهني الأخلاقي. ولعل الخيار الأمثل لتشكيل "لجنة الحقيقة" التي ستكلف بالتحقيق في هذه الانتهاكات، أن تتألف من مجموعة غير حزبية، يتم اختيارها من العسكريين من ذوي السمعة الرفيعة، ومن كبار مسؤولي الأمن، على أن تتضمن الجنرالات والقادة البحريين برتبة الأدميرال، إضافة إلى العناصر الاستخباراتية. ومن شأن تمثيل واسع كهذا في تكوين اللجنة، أن يعطي النتائج التي ستتوصل إليها قدراً كبيراً من المصداقية على امتداد الطيف السياسي القومي كله. وهناك من القادة العسكريين ومسؤولي الأجهزة الاستخباراتية -الذين أعرفهم شخصياً- من يشارك الكثيرين منا مشاعر الخجل والأسف على هذه الانتهاكات. ذلك أن هؤلاء يدركون جيداً أنه إذا ما كانت بلادنا تطبق تقنية "ركوب الأمواج" أو الإغراق الإيهامي للمعتقلين الأجانب، فإن التقنية نفسها سوف تطبق على سجنائنا هنا في الداخل. ويتعين على كلا المرشحين الرئاسيين، باراك أوباما وجون ماكين، أن يعلنا تأييدهما لإنشاء "اللجنة القومية من أجل الحقيقة" في وقت مبكر من وصول أيهما إلى البيت الأبيض العام المقبل. بينما نريد من هذه اللجنة أن تصدر تقريراً يذكّرنا بدروس إخفاقاتنا، ويدلنا على الطريق المثلى لتفادي تكرار ما حدث في تاريخ أمتنا.