جاء اتفاق التهدئة بين "حماس" وإسرائيل تعبيراً عن برنامج طبيعي يلتزم به رجال الدولة والحكم لتوفير الأمن لمواطنيهم، هكذا يمكننا أن نقرأ سلوك حكام إسرائيل الذين قبلوا جهود الوساطة المصرية، ليوفروا على مواطنيهم في بلدة "سديروت" وغيرها معاناة تساقط صواريخ المقاومة الفلسطينية من غزة. وهكذا أيضاً يمكننا أن نقرأ تصرف "حماس" التي قبلت بدورها بالجهود المصرية لتحقق لمواطني غزة الخاضعين لحكمها النجاة من المخاطر التي تنزلها بهم آلة الحرب الإسرائيلية أثناء عمليات الاجتياح والاغتيال المتكررة، ولتوفر لهم في الوقت نفسه حالة انفراج في الحصار المفروض عليهم، والذي يهدد أمنهم الاجتماعي والغذائي وحقوقهم في الحاجات الأساسية. إذن، نحن أمام اتفاق يعكس التزامات حكومتين كلٌ تجاه مواطنيها فيما يعرف بمسؤولية الدولة أو برنامجها. إن هذا الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ يوم 19/6 أثار على الجانبين تساؤلات عن التناقض الكامن في هذا الاتفاق. في إسرائيل اعتبرت أحزاب "اليمين" المتشددة أن إقدام الحكومة الإسرائيلية على توقيع الاتفاق مع "حماس" هزيمة سياسية، فهو يعني الاعتراف بحكم "حماس" لغزة وأن موقف الحكومة الإسرائيلية من البداية كان يقوم على رفض الاعتراف بحكم "حماس" والإطاحة به. ورغم هذا الانتقاد "اليميني" لحكومة أولمرت، فإن الأمور تبدو مستقرة على الجانب الإسرائيلي نتيجة لوجود سلطة واحدة في الدولة هي سلطة الحكومة المنتخبة، والتي لا يمكن منازعتها بإجراءات عملية. أما الوضع في غزة، فيحمل قسمات مختلفة، حيث لقيت "حماس" معارضة فعلية تمثلت في إجراءات عملية أحرجت سلطتها، وذلك عندما قامت حركة "الجهاد" الإسلامي وحركة "فتح" بإطلاق صواريخ على الأراضي الإسرائيلية بعد الاتفاق. لقد ترافق هذا الاعتراض العملي على اتفاق التهدئة مع انتقادات سياسية حادة اللهجة من جانب الناطق باسم أحد أجنحة كتائب "شهداء الأقصى"، الذراع العسكرية لحركة فتح واسمه "أبوقصي". لقد قال المذكور إن "حماس" تمارس "الخيانة الوطنية" من خلال إبرام اتفاق التهدئة. هنا يبدو التناقض فادحاً بين برنامج "حماس" كحركة مقاومة سبق وأن اختلفت مع الرئيس محمود عباس على أساس أنه ينتهج نهجاً تفاوضياً سياسياً ويبرم اتفاقيات مع حكومة الاحتلال وبين برنامج "حماس" المنظمة التي تجلس على مقاعد الحكم والدولة، وتعقد بدورها اتفاقاً يهدف إلى تحقيق مصالح المواطنين مع سلطة الاحتلال ذاتها. لقد اضطر القيادي المعروف بتشدده في برنامج المقاومة لـ"حماس" محمود الزهار إلى توجيه أعنف الانتقادات إلى حركتي "الجهاد" و"فتح" بسبب قيامهما بإطلاق صواريخ رداً على العمليات الإسرائيلية في الضفة. لقد طالب الزهار الفصائل بالتزام التهدئة وتوعد باعتقال كل من يقوم بخرقها، وهو الوعيد الذي نفذته حركة "حماس" باعتقال "أبوقصي" المذكور سلفاً وبعض مقاتلي "الجهاد". الحوار الجاري بين سلطة "حماس" وبين سائر فصائل المقاومة في غزة يتجه نحو استحداث حالة توافق وطني حول اتفاق التهدئة باعتباره وسيلة لتحقيق مصالحة ملحة وعاجلة للشعب في غزة، مع إيجاد تفاهمات حول الطرق المناسبة للرد على خروقات إسرائيل الأمنية. لقد أصبحت كبرى حركات المقاومة الإسلامية في فلسطين في نفس وضع المسؤولية الذي سبق ووجدت حركة "فتح" نفسها فيه، عندما شكلت السلطة الوطنية. والسؤال الآن هو: هل تمهد هذه التجربة المشتركة لمسؤوليات الدولة الطريق للتصالح بين حكم "حماس" وحكم "فتح"، على برنامج مشترك يوائم بين التزامات المقاومة والتزامات الدولة المسؤولة عن مصالح شعبها وأمنه؟