لعل الرد الأمثل على رفض أوباما الدعم الفيدرالي الرسمي المخصص لحملته الانتخابية، والبالغ 84 مليون دولار، مفضلاً التمويل الخاص لحملته، هو توجيه السؤال التالي إلى منافسه الجمهوري جون ماكين: ماذا أنت فاعل إذا ما تبادلتما الأدوار؟ من منا يشك لحظة في أن يتخذ ماكين القرار نفسه، فيما لو حظي بذات المحرك الرقمي الصغير على شبكة الإنترنت، البارع في جمع الأموال والتبرعات لحملة منافسه أوباما؟ الحقيقة أن قرار ماكين الالتزام بحدود التمويل الفيدرالي الرسمي للحملات الرئاسية الانتخابية، إنما هو قرار أملته عليه الضرورة المالية. والدليل أن محدودية قدرته على جمع الأموال والتبرعات، كادت تعصف بحملته وتضع حداً لها قبل نهاية السباق في مرحلته التمهيدية. ولم تنقذه من ذلك المصير إلا إعادة التنظيم التي أجراها، واستنجاده بطريقة التجزئة التقليدية المعروفة في أوساط الجمهوريين في تمويل حملاتهم الانتخابية. وعليه كان قراره الالتزام بالتمويل الفيدرالي، خياراً واقعياً لمن ليس له خيار آخر سواه. وبالقدر نفسه كان خيار أوباما واقعياً هو الآخر. فبرفضه للتمويل الفيدرالي، وتفضيله إبقاء صندوق أمواله مفتوحاً، اعتماداً على ما يتمتع به من جاذبية وشعبية كبيرتين، فإنه سيكون بمقدوره توسيع حملته حسب استطاعته وصولاً إلى شهر نوفمبر المقبل. وهناك من تنبأ بأنه سيتمكن من جمع نحو 300 مليون دولار أو ما يزيد على ذلك، وأن تلك التبرعات سوف تشمل حتى الولايات التي تعد معقلاً تقليدياً للجمهوريين. وكما عبّر الفيلسوف السياسي "دوللي" ذات مرة عن أن السياسة ليست حائطاً قصيراً يقفز من فوقه كل من يريد القفز، فإن هدف الديمقراطيين ليس قاصراً على الوصول إلى البيت الأبيض فحسب، وإنما يرمي إلى تحقيق أغلبية كبيرة من أعضاء الكونجرس، بغية إحداث تغيير جذري كبير في السياسات الأميركية، إثر ثماني سنوات من تخبطات إدارة بوش. وبعد كل ما قيل عن قرار أوباما آنف الذكر، فإنه يلزم القول بأن اللغة التي عبّر بها عن قراره ذاك، تجعله عرضة لرقابة جديدة صارمة عليه، طالما أنه يعتبر مرشحاً حديث الخبرة السياسية نوعاً ما. ففي إعلان أطلقه أوباما عبر شبكة الإنترنت لمؤيديه ورد ما يلي: "اعترف بأن هذا القرار لم يكن سهلاً عليّ بالنظر إلى تأييدي الطويل الأمد لمبدأ التمويل العام". غير أن أوباما لم يشر في الإعلان نفسه إلى عرض سابق تقدم به للمرشح الجمهوري، بالانضمام إلى الموقف الرافض للتمويل المباشر للحملات، والقبول بمبدأ التمويل المتكافئ لجميع المتنافسين. وأن يكون أوباما أول مرشح رئاسي يسعى إلى توسيع تمويل حملته خارج حدود التمويل الفيدرالي المتكافئ، في خطوة أحادية منه، فذلك يعطي انطباعاً عن محاولته تصوير نفسه كـ"محسن عام". فقد طلب من مؤيديه أن "أعلنوا عن استقلالنا عن النظام المعطوب برفضنا له". ويمكن القول إن ذلك النظام كان معطوباً قبل أن يتخذ أوباما خطوة الرفض هذه بزمن طويل. وأول الخارجين عن هذا النظام هو الرئيس بوش الابن، الذي سبق أن رفض التمويل الفيدرالي لحملته التمهيدية في انتخابات عام 2000، ثم ثانياً في الحملة التمهيدية لعام 2004، مستجيباً في ذلك للضرورة التي فرضها عليه كل من منافسيه الديمقراطيين هوارد دين وجون كيري. لكن بوش عاد وقبل التمويل الفيدرالي وتمكن من إحراز الفوز به في انتخابات العامين 2000 و2004. وكما سبقت الإشارة، فإن في إعلان التمرد الأحادي على التمويل الفيدرالي من جانب أوباما، ما يبقيه عرضة لانتقادات خصومه واتهامهم إياه بأنه ليس سوى منافق سياسي آخر، طالما أنه كان يدافع عن مبدأ التمويل الرسمي المتكافئ لجميع المتسابقين. وفي هذا ما قد يلحق الضرر به، خاصة وأنه لا يزال يعد بين القادمين الجدد إلى الساحة السياسية الأميركية. لكن يبدو أن هذا هو الثمن الذي قرر أوباما دفعه، مقابل منافسته لجون ماكين في عقر دار ولاياته الجمهورية، وإرغامه من ثم على تخصيص التمويل الفيدرالي المحدود الذي قيد نفسه به للدفاع عن تلك المعاقل. ــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع "تريبيون ميديا سيرفيز"