ما الذي ينتظر قضية فلسطين بعد شهور قليلة عندما يغادر الرئيس الأميركي جورج بوش البيت الأبيض حاملاً معه ما أسماه "فكرته" بشأن "دولتين لشعبين تتعايشان في سلام جنباً إلى جنب"؟ فلم يبق ما يبرر انتظار أن تسفر المفاوضات الفلسطينية -الإسرائيلية، التي استؤنفت عشية مؤتمر "أنابوليس" في نوفمبر الماضي، عن أكثر من بيان عام لا يضيف شيئاً ولا يحفظ أملاً في إمكان التوصل إلى حل يتضمن إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وما نقله الرئيس محمود عباس إلى بعض القادة العرب، خلال الأسابيع الأخيرة، عن مسار المفاوضات الجارية، يؤكد ذلك ويعبر عن إحباط لا سابق له. وبغض النظر عن صحة ما نقل عنه من أنه يرغب في الاستقالة، فقد بات واضحاً أن الطريق إلى حل نهائي لقضية فلسطين صار مسدوداً أكثر من أي وقت مضى. ومن هنا مغزى السؤال عن مصير قضية فلسطين بعد انتهاء ولاية الإدارة الأميركية الحالية، حين يثبت لمن لم يتأكدوا بعد، أن حكاية "الدولتين لشعبين" ليست سوى وهم كبير. والمعضلة الأكبر اليوم هي عدم وجود حلول بديلة لهذا الحل الذي استثمر كثير من الفلسطينيين وكل العرب جهدهم فيه منذ بداية الثمانينيات، عندما أصبحت الدولة المستقلة في الأراضي المحتلة عام 1967 عنوان القضية الفلسطينية، سواء في انفصال تام عن الأردن أو في اتحاد كونفيدرالي معه. ولذلك كان رئيس الكنيست الأسبق أبراهام بورغ واهماً، أو محاولا تسويق الوهم، عندما بدا قبل أيام شديد التفاؤل ليس فقط بإقامة دولة فلسطينية، ولكن أيضاً بأن حل الدولتين سيؤدي إلي دولة واحدة ثنائية القومية لليهود والفلسطينيين. والمفارقة أن بورغ الذي يعتبر من "حمائم" حزب "العمل" الآخذين في الانقراض، كان يتحدث في يوم دراسي أقامه مركز حقوقي حول قانون أقره الكنيست مؤخراً ويقضي بمنع المواطن العربي في إسرائيل (فلسطينيو 1948) من الزواج من عربية من خارج إسرائيل! ويعد هذا القانون بداية سلسلة تشريعات وإجراءات إسرائيلية ستتواصل في الفترة المقبلة بهدف محاصرة عرب 1948 وتحجميهم في إطار إضفاء طابع يهودي أكثر صرامة علي هذا الكيان. ومن شأن هذه التشريعات والإجراءات أن تنسف أية إمكانية لفكرة الدولة ثنائية القومية، سواء كمرحلة تالية لحل الدولتين وفقاً لأوهام بورغ، أو كبديل عن هذا الحل الذي تتراجع فرصته كل يوم. فلم تعد فكرة الدولة ثنائية القومية خياراً ممكناً ولا حلاً مطروحاً بالصيغة التي تبناها بعض المفكرين الفلسطينيين، مثل الراحل ادوارد سعيد الذي رأى منذ بداية العقد الماضي أن إقامة دولة فلسطينية مستقلة إنما هو خيار مستحيل من الناحية الجغرافية، وأن الإصرار عليها يعبر عن سذاجة سياسية في ضوء الوقائع الجديدة التي تخلقها إسرائيل كل يوم في الضفة الغربية وقطاع غزة. وقال، منذ حوالي عشرين عاماً، إن الاستيطان الإسرائيلي يعزل أجزاء الضفة عن بعضها بعضا، فضلاً عن انفصالها عن قطاع غزة، الأمر الذي يجعل الدولة المتصلة جغرافياً القابلة للحياة غير ممكنة، ويخلق عدة كانتونات معزولة، أحدها جنوبي في بيت لحم والخليل، والثاني شرقي بأريحا، وثالث شمالي في جنين وقلقيلية وطولكرم ونابلس، وربما رابع في الوسط يضم رام الله والبيرة. لذلك دعا سعيد إلى استبدال الحل القائم على الدولة ثنائية القومية بخيار الدولة المستقلة. وكان هذا أيضاً هو الاتجاه الذي اهتم به في الوقت نفسه بعض الخبراء والباحثين الأوروبيين المتعاطفين مع الشعب الفلسطيني، مثل الباحثة البريطانية "هيلينا كوبان" التي اقتربت من الحركة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وألفت كتابين من أهم الكتب الغربية عن قضية فلسطين. فقد حذرت كوبان منذ عام 1994 من فشل حل الدولتين، وتراجع إمكانات إقامة دولة فلسطينية، ودعت إلى الاهتمام بحل الدولة ثنائية القومية. غير أن هذه الأصوات لم تلق آذاناً صاغية لدى القيادة الفلسطينية، في وقت بدا أن الدولة المستقلة يمكن أن ترى النور، خصوصاً وأن اتفاق أوسلو جاء في عام 1993 فأعطى دفعة قوية للرهان على هذه الدولة. وكان التناقض الكامن في بنية ذلك الاتفاق أنه فتح الباب نظرياً أمام خيار الدولة الفلسطينية المستقلة بينما ساهم في غلقه فعلياً من خلال ترتيب الوضع الانتقالي -الذي كان مفترضاً أن يستمر لخمس سنوات فقط - بطريقة تجعل الوضع النهائي مفتوحاً على ارتباط وثيق بإسرائيل وليس على استقلال حقيقي، خصوصاً على المستويين الاقتصادي والاجتماعي. فقد كرس مضمون الاتفاق الارتباط الفلسطيني بإسرائيل، وحول الدمج القسري الذي خلقه الاحتلال إلى دمج اختياري، بمعزل عن أحد أهم شعارات الانتفاضة، وهو فك الارتباط الاقتصادي مع إسرائيل. ولذلك فبدلاً من السعي إلى استثمار الفترة الانتقالية من أجل تقليص ارتباط الأراضي المحتلة بإسرائيل، شهدت تلك الفترة تدعيم هذا الارتباط من خلال ما سماَّه الاتفاق "الفائدة المتبادلة للتعاون في تطور الضفة الغربية وغزة وإسرائيل". فانطلاقاً من هذه الفائدة، أسس الاتفاق لجنة إسرائيلية -فلسطينية للتعاون الاقتصادي بهدف تنفيذ وتطوير المشاريع التي تضمنها الملحقان الثالث والرابع، وهي مشاريع شملت كل ما يخطر على البال. والأهم من ذلك أن الاتفاق عبر عن ذهنية فلسطينية غير معنية بالحد من الارتباط، ناهيك عن فك هذا الارتباط الذي ازداد حتى بلغ مبلغه الراهن الذي يجعل قطاع غزة معتمدا على إسرائيل في كل شيء من الغذاء والدواء إلى الكهرباء والوقود. ورغم ذلك، وتجسيداً لتناقض مدهش، ركز العمل الوطني الفلسطيني في ظل اتفاق أوسلو وحتى بعد انهياره في يوليو 2000، على خيار الدولة التي يفترض أن تكون مستقلة عن إسرائيل. ولم يكن تلويح بعض القادة الفلسطينيين بخيار الدولة ثنائية القومية من وقت إلى آخر، إلا من باب محاولة قرع جرس إنذار حين ينتابهم الإحباط من إمكان إحراز تقدم صوب الدولة المستقلة. ولذلك، ولأن غياب الاهتمام الفلسطيني بفكرة الدولة ثنائية القومية حال دون الاستثمار فيها، فقد بات هذا الحل بدوره بعيد المنال في الوقت الذي تتجه إسرائيل إلى مزيد من الانغلاق تحت تأثير ما تعتبره تهديداً ديموغرافياً فلسطينياً متزايداً ومتسارعاً. وما إصرارها على اعتراف السلطة الفلسطينية بها كدولة يهودية، رغم اعتراف منظمة التحرير بها كدولة إسرائيلية منذ عام 1993، إلا تعبيراً عن هذا الخوف الذي يغلق الباب أمام أي تفكير جاد في دولة ثنائية القومية حتى إذا قبل الفلسطينيون أن يبقى الطابع الصهيوني مهيمناً عليها بخلاف هدف الدولة الديمقراطية العلمانية ثنائية القومية الذي تبنته منظمة التحرير في شبابها عقب هزيمة 1967. فقد قام ذلك الهدف القديم على افتراض مناقض لما صار عليه الحال الآن، وهو أن المقاومة الفلسطينية تستطيع إلحاق هزيمة حاسمة بإسرائيل تقوض عقيدتها الصهيونية بما يتيح بناء دولة يعيش فيها الفلسطينيون مع الإسرائيليين اليهود في ظل نظام ديمقراطي علماني. غير أن هذا الافتراض الذي كان أقرب إلى حلم ثوري، لم يصمد طويلاً. وسرعان ما تخلت عنه منظمة التحرير أو تجاوزته عندما قبلت في عام 1974 إقامة سلطة وطنية على أي أرض يمكن تحريرها، ثم حصرت مطالبها في الأراضي المحتلة عام 1967 فقط، وتبنت الحل القائم على دولتين. غير أن المعضلة الناجمة عن التدهور المستمر في الوضع الفلسطيني وصلت اليوم إلى مستوى بالغ الخطر، إذ باتت تتعلق بعدم إمكان التوصل إلى حل أصلاً، سواء وفقاً لصيغة الدولتين أو على أساس دولة ثنائية القومية حتى وفق السيناريو الأكثر إجحافاً بالفلسطينيين وهو إلحاقهم بالدولة الإسرائيلية الحالية وفق شروط تجعلهم في مستوى أدنى من فلسطينيي 1948. فليس هناك في إسرائيل اليوم من يقبل دولة ثنائية القومية حتى على هذا الأساس، لأن حرمان الفلسطينيين من بعض حقوقهم فيها لا يمكن أن يستمر لفترة طويلة. ومن هنا الإصرار على يهودية هذه الدولة. والخيار الذي تفضله إسرائيل الآن هو إعادة الضفة الغربية أو بالأحرى الأجزاء التي تقبل الانسحاب منها، إلى الأردن، وتوريط مصر تدريجياً في قطاع غزة لوضعها أمام الأمر الواقع، وتعبئة ضغوط دولية عليها لكي تتولى المسؤولية عن هذا القطاع بشكل ما. فإذا كانت إسرائيل ترى أنه لا مفر من أن تبقى قضية فلسطين مصدر اضطراب في المنطقة، فهي تسعى الآن إلى توجيه القسم الأكبر من تبعات هذا الاضطراب بعيداً عنها وإلقاء تبعاته على الدول العربية المجاورة وفي مقدمتها مصر والأردن.