على مدى العقدين الماضيين اجتاحت بلدان العالم موجة من الإصلاحات امتدت من الصين شرقاً وحتى بلدان أميركا اللاتينية في أقصى الكرة الأرضية، مروراً بدول آسيا وأفريقيا وأوروبا الشرقية. وطالت عمليات الإصلاح هذه جوانب اجتماعية واقتصادية، وذلك بعد القيام بحملة شاملة لتعديل الأنظمة والقوانين التي أعاقت التقدم الاقتصادي في الفترات السابقة وشكلت عوامل خمول محليّاً وعوامل طرد للاستثمارات الأجنبية على المستوى الخارجي. الأمثلة عديدة، إلا أنه يمكن التطرق لمثالين صارخين يتم تداولهما حاليّاً في وسائل الإعلام العالمية، فالمثال الأول يعبر عن حالة نجاح استثنائية وضعت الصين في مقدمة الاقتصاديات العالمية التي حققت معدلات نمو مرتفعة، وأدت إلى تطور ملحوظ في المستوى المعيشي للمواطن الصيني. أما المثال الآخر فمرتبط بحالة إخفاق مأساوية أدت إلى تدهور أهم قطاع اقتصادي، وإلى تخريب الأراضي الزراعية وتشريد العاملين فيها، فرئيس زيمبابوي روبرت موجابي الذي قاد قبل أكثر من أربعين عاماً حملة للتخلص من النظام العنصري في بلاده أقدم على خطوة الإصلاح الزراعي التي تمت بموجبها مصادرة الأراضي الزراعية الغنية من البيض وتسليمها للمزارعين من المواطنين الفقراء الذين لم يتمكنوا من إدارتها بصورة مربحة. وفي دولة مجاورة وفي ظروف مشابهة إلى حد التطابق فإن رئيس جنوب أفريقيا السابق نيلسون مانديلا الذي قاد حركة مماثلة للتخلص من نظام الفصل العنصري، سمح للأغنياء من البيض بتطوير استثماراتهم ومنحهم الضمانات اللازمة، وهو بفطرته عرف أن خروجهم سوف يتسبب في خسائر فادحة للاقتصاد الجنوب أفريقي، كما أنه لن يشجع على قدوم استثمارات جديدة من الخارج. هذا في مقابل موجابي المستمر في أخطائه المميتة، فقد أدت عملية الإصلاح التي قادها إلى نتائج كارثية دفعت معظم المستثمرين إلى الهجرة، في حين أن المالكين الجدد، لم يتمكنوا من إتقان التعامل مع المعدات والآلات الحديثة ولا كيفية صيانتها. أما أساليب الزراعة المتقدمة والبحوث العلمية الخاصة بتطويرها فقد أصبحت من الماضي. ماذا كانت النتيجة؟ قبل عملية الإصلاح الزراعي كانت زيمبابوي -أو روديسيا كما كانت تسمى في ذلك الوقت- سلة أفريقيا الغذائية بسبب وفرة محاصيلها الزراعية التي كانت تستخدم فيها المعدات والمكننة ووسائل الري الحديثة. وجاء التأميم المفاجئ أو الإصلاح وتسليم الأرض للفلاحين غير المتعلمين من السكان الأصليين دون تهيئتهم لمثل هذا التحول ليؤدي إلى تراجع حاد في الإنتاج الزراعي، وبدلاً من تصدير الغذاء أصبحت زيمبابوي تستورد المنتجات الغذائية من الخارج وتردت أوضاع الفلاحين وهاجر أكثر من أربعة ملايين منهم للخارج، وبالأخص إلى جنوب أفريقيا بحثاً عن مصادر رزق جديدة. وربما كان من صالح البيض والسود على حد سواء التوصل إلى صيغة للتعاون، مثلما عمل مانديلا في جنوب أفريقيا، بحيث يحتفظ البيض باستثماراتهم، على أن يعمدوا إلى تعليم وتدريب السكان الأصليين ورفع مستوياتهم المعيشية وإكسابهم مهارات جديدة تساهم في تنمية مختلف القطاعات الاقتصادية في البلاد. والحال أن رئيس زيمبابوي العتيد كان ولا يزال يلعب بالشعارات التي لا تطعم الفقراء خبزاً، معتمداً في ذلك على أساليب عفا عليها الزمن، مستغلاً مشاعر البسطاء ومتحديّاً نتائج الانتخابات المحلية التي سحبت منه الثقة بعد زمن طويل من رئاسته. ربما نجح موجابي في الحصول لزيمبابوي على استقلالها، إلا أنه فشل فشلاً ذريعاً عندما اقترب من الإدارة الاقتصادية، حيث قاد البلاد إلى كارثة حقيقية لا زال مُصرّاً على الاستمرار فيها على رغم عجزه، متجاهلاً في ذلك الرغبة الداخلية في التغير، والتأييد الأفريقي والعالمي لمحاولة خروج البلاد من المأزق الحالي. والحقيقة أن مرحلة الإصلاحات اكتسبت مضامين جديدة بعد ولوج العالم عصر العولمة الاقتصادية وانفتاح الأسواق وحرية انتقال السلع والخدمات بين بلدان العالم، مما يتطلب معالجة أخطاء عمليات الإصلاح في بعض البلدان بعد أن أصبحت هذه الإصلاحات تمس حياة الملايين من البشر، كما هو الحال في زيمبابوي. والمسألة الرئيسية هنا لا تتعلق بالشعارات بقدر ما تتعلق بالنتائج الرامية إلى تحسين المستويات المعيشية للسكان وزيادة معدلات النمو الاقتصادي، مع استفادة كافة أطراف العملية الإنتاجية من مستثمرين وعاملين، كما أن هذه التجارب المتفاوتة تقدم أمثلة حية لأهمية الإصلاحات الاقتصادية التي تأخذ بعين الاعتبار المتطلبات التنموية وأساسيات نجاحها.