خبر اعتقال ما يزيد على 500 من خلايا "القاعدة" في السعودية يشير إلى تمكن هذه الخلايا وإصرارها على ترهيب المنطقة الخليجية. إنها خلايا لا تعمل دون نظام يحكم تحركها ورؤية توجه منطلقها، فهي امتداد طبيعي لما يحدث في المنطقة العربية وخصوصاً في العراق، حيث تنامى الفكر المتطرف في السنوات الأخيرة، ودخل في مواجهات داخل مناطق عديدة ولا نعتقد بأننا نقترب من نهاية انتشار الفكر الديني المتطرف. هذا الفكر نجح في خلق نزاع عالمي، وغيّر من ملامح التواصل في العالم. والخطأ أن يعتقد البعض بأنه فكر يحمل العدوانية للغرب فقط ، فهو فكر بدا بحرب داخلية وخارجية، وعمل على تعكير قنوات التواصل وإيجاد حالة احتقان لدى العالم الغربي ضد الإسلام والمسلمين. وهو فكر يتطلب منا في دولنا أن نعيد تقييم فهمنا للدين ولقضايا العصر وفق رؤية جديدة تُناصر العقلانية. ومن غير المعقول أن نستمر في نهج التخبط في تعاملنا مع قضايا الدين، وخصوصاً في تربيتنا للنشء وفي إعلامنا وبرامجنا الدينية، وفي نهج تسطيح العقل من خلال الفتاوى التي يمطرون فيها كمطر السماء. نحن نشعر بحاجة إلى حوار الداخل قبل حوار الخارج، فلا نريد للجهود أن تضيع هباء في الحوار الديني، حيث مشكلتنا في الداخل قبل الخارج، وعلينا أن نتلمس الخلل التاريخي في تقديمنا للمقدس باعتباره جزءاً من تكوين الأمة وليس عائقاً للتطور وحجب التواصل مع العالم. محاولاتنا مازالت تترنح، ومازلنا نُصر على ممارسة فهمنا التقليدي للدين، ومازلنا نجد متعة في تسييسه بالرغم من كل ما حل بنا من إخفاقات. العنف الديني له أسبابه، فهو فكر تنامى عبر فترات زمنية وبإشراف الدولة، ليس لأن الدولة راغبة في نشره، وإنما اعتقاداً منها بأنه فكر يحمي الشباب ويؤكد اهتمام الدولة بالدين. أشياء بسيطة ولكن كبيرة تركناها تسير دون رعاية وتمحيص من أصحاب القرار، فالفتاوى تظهر كالسيل دون اكتراث لصداها وتأثيرها. على سبيل المثال، خرجت فتوى تقول إنه يحق للأب أن يزوج ابنته وهي في المهد وعندما تبلغ التاسعة من الممكن أن يدخل عليها الزوج، أو فتوى تُحرّم على المرأة أن تغادر في مهمة رسمية كونها بحاجة إلى مِحرم... وهكذا نرجع إلى الماضي ونقيس عليه متغافلين الحاضر. ومن الأمثلة أيضاً تركُ خطباء المساجد في بث أفكارهم دون دراية بفحوى الكلام وما يسببه من تشويش على اليافعة. نُشغل أنفسنا بالحوار مع الآخر، ونغفل الحوار مع النفس، ونعتقد أن إعادة البناء تنحصر في قيام المؤتمرات حول الوسطية دون أن نفهم ونتفق على الوسطية كمنهج في الحياة. ثمة أخطاء ارتكبناها، وهي أخطاء فاحشة غيّرت من مسار تفكير الشباب، ولم نسع إلى التفريق بين مفهوم الهوية الثقافية وثوابت الدين، فالهوية جزء من تكوين النفس البشرية، وهي مكون يحفظ للمرء مكانته ويميزه في عالم تتداخل فيه الثقافات. أما الخلط، فهو يخلق تشويشا في العقل ويخرج السلوك المتهور، ومن ثم نواجه بجماعات خارجة تريد أن تفرض فهمها على واقعنا. أنماط من السلوك تُمارس في العلن وتؤثر على شبابنا، فعلى سبيل المثال عندما يقوم عضو في البرلمان الكويتي بسلوك يتجاهل فيه السلام الوطني، ويظهر أمام الناس بأنه لا يحترم هذا السلام بالوقوف حيث يظن أن ذلك بدعة، ويشاهده الجهلة وناقصو العقل وهو يفعل ذلك، فيرون فيه الشخصية التي يجب الاقتداء بها... وهكذا رجال السياسة يضربون أمثلة خاطئة دون أن يُحاسَبوا على فِعلهم، ويتحول السلوك الشاذ إلى ممارسة عامة، وربما حالات الرفض بين طلاب المدارس للوقوف للعلم تؤكد خطورة التراخي في مثل هذه القضايا. نحن أمام سلوك للعنف الجاذب للنفس المريضة والمختلة، وهو سلوك مؤثر، ولا بد لنا من وقفة مع النفس، وندرك مثلاً أن قيادة المرأة للسيارة ليست بفاحشة وإنما اجتهاد أدى وظيفته في فترة زمنية، وعلينا اليوم إشاعة العقل وتبني منهجه للتصدي للعنف، وإلا سنجد أنفسنا أمام حقائق جديدة وأرقاماً كبيرة من المتشددين الذين يجدون أنفسهم في ثقافة الموت كسبيل للحياة!