"بوستر مارتن" أقدمُ عامل بريطاني. لم ينقطع عن العمل يوماً واحداً؛ لا إجازة مرَضية، ولا إجازة مناسبات، ولا إجازة عائلية، ولا حضور جنازة، حتى وصل إلى عامهِ المئة. حيث نصحهُ الأطباء بالجلوس في المنزل حتى يخضعَ لعملية جراحية ضرورية. وصلَ الرجلُ إلى المئة من العمر وهو يعمل. ويرد على الأطباء: "من المؤسف ألا يتمكن الإنسان من العمل، إنه أمرٌ مثير للملل"؟! هذه القصة تذكّرني بقصة احتجاج اليابانيين ذاتَ عام عندما كانت الحكومة تدرسُ تخفيضَ ساعة من ساعات العمل، حيث كان العمال والموظفون ضدّ تخفيض ساعات العمل من أجل حرصهم على الإنتاجية. سوف أتحدث هنا عن الجانب الأخلاقي والسلوكي في العالم العربي تجاه الإخلاص والوفاء للعمل. حيث نشاهد -في خضم الحياة- نماذج مؤسفة لكيفية تخلّص أو تهرّب بعض الموظفين من العمل. ذلك أنهم من الناحية الأخلاقية يربطون علاقتهم بالمؤسسة بالجانب المادي فقط. أي استلام الراتب آخر الشهر دونما أية مبادرات لتحسين الإنتاج أو تطوير الأداء! أو تقديم مقترحات للنهوض بالمؤسسة. أو مساعدة رئيس المؤسسة في العمل على التغلب على المشكلات التي تواجهها المؤسسة. ومن النماذج المثيرة -التي يجب أن تتخلص منها الوزارات والمؤسسات، وما شهدته في حياتي- طوال 35 عاماً، ما يلي: - الخروج المتكرر من العمل اعتماداً على أن الآخرين سوف يقومون بالعمل، واعتماداً على عدم المحاسبة أو عدم وقوع المكافأة فيما لو واظبَ الموظف على العمل بكل أمانة. - الروتين والتقليدية وعدم الالتفات إلى الإبداع أو تطوير نوعية العمل أو نهوجه. والنظر إلى العمل نظرة إلى (الدولاب) الذي يدور في ذات الاتجاه دونما محاولة لتعديل مساراته السلبية أو الخاطئة. - كثرة التأخير الصباحي والخروج المتكرر بدواعي زيارة الأهل أو أخذهم للطبيب. فنجد أن أحدهم يخرج عند الساعة الحادية عشرة والنصف بينما قانون العمل يُلزمه بالدوام حتى الواحدة والنصف. وهذا المسلك السلبي يؤثر على الآخرين حيث يقومون بتقليد ذاك الزميل، وهذا يبثُّ عدمَ المسؤولية في كل المؤسسة. - كثرة الإجازات بأنواعها المختلفة، خصوصاً لدى النساء! حيث تتذرع المرأة دوماً بموضوع الحمل والرضاعة، وأنا لا أستوعب أن تكون هنالك موظفة في مؤسسة مهمة تقوم كل عام بالحمل والولادة، وتربك العمل بصورة واضحة، والغريب أنها تستمر في العمل على رغم أنها تتغيب كل شهر أسبوعاً أو عشرة أيام ناهيك عن إجازة الولادة. - إهدارُ وقت العمل في التنقل بين المكاتب وإشغالُ الموظفين الجادين عن أعمالهم، أو الحديث في الهاتف دون جدوى، ومضايقة الزملاء والزميلات الأخريات، ودونما مراعاة لحتميات العمل وضروراته، خصوصاً تلك المكالمات "الهامسة" والضحكات المزعجة للآخرين. - عدم الاهتمام بالوقت. فهنالك من يؤخرون معاملةً لمدة أربعة أيام، وهي لا تحتاج إلى أكثر من رُبع ساعة. بل ولا يتأثرون من تكدّس معاملات الناس في مكاتبهم. ولو حاورهم أحدُ المصلحين في المؤسسة بأن يهتموا بأعمالهم وينجزوا معاملات الناس لاتهموه بأنه متكبّر أو متعالٍ أو يتدخل في شؤون غيره. - غياب الوازع القيمي والأخلاقي في عملية الالتزام بالدوام. وتغليب المصلحة الخاصة. فالموظف الذي لديه "بزنس" يأتي إلى العمل قبل انتهاء الدوام بساعة ونصف، وليست لديه أية أوراق، بل يعبث بالجرائد أو يقوم بحل الكلمات المتقاطعة ثم يذهب إلى سبيله. كما أن هذه الحالة تخلق جيلاً من المتقاعسين الذين لا يستطيعون كتابة مُذكرة من عشرة سطور. والغريب أن هذه الأشكال تبقى معششة في الهيئات والوزارات، ويتساوى هؤلاء الأميُّون مع غيرهم من المنتجين في العلاوات والزيادات والبدلات!؟ - النفاق الاجتماعي للمسؤول. ولعل أكبر مظاهر ذاك النفاق هو حضور الموظف للصلاة مع المسؤول الكبير في المؤسسة، ثم يذهب إلى المنزل مباشرة بعد الصلاة. أي إهدار أكثر من 4 ساعات من وقت العمل. وهذا نفاق يناقضُ نصَّ وروح الصلاة التي يُصليها ذاك الموظف مع صاحب أو رئيس المؤسسة. وهو يخلق شخصياتٍ ذاتَ ضمير ميت، فلا هي تعرفُ قيمة الصلاة ولا تعرفُ قيمة العمل. وأنا حقيقة لا أحترم شخصاً يصليِّ من أجل أن يراهُ الرئيس ثم لا يلمس ورقة من أوراق العمل. وعند الحديث عن المهمات والانتدابات نجد هذا الموظف يتلصَّص على الأرشيف ليقتنص مَهمة من المهمات قبل غيره ويدخلُ على المسؤول -الذي يراه يصلي- فيطلب ترشيحه لتلك المهمة وهو غيرُ جدير بها. - المساهمة في تأخير عمل المؤسسة. ذلك أن مهامّ الإنسان المُهمِل وكثير الغياب سوف تحوّل إلى موظف آخر يكون ملتزماً بأعمال خاصة به. وهذا يسبب التأخير، وتتأثر بذلك إنتاجية المؤسسة. ويحلُّ التنافر والكراهية بين موظفيها، حيث يتساوى الموظفُ المُهمل المُتسيِّب مع الموظف الجاد الملتزم. وهذا يضرُّ بمصلحة المؤسسة. - إشاعة الفوضى وثقافة الغياب والتأخير بين موظفي المؤسسة. ذلك أن الموظف غير المنتج يظل متنقلاً بين المكاتب؛ ينقل للموظفين أفكاراً وممارسات بعيدة عن العمل؛ لأنه لا يحبُّ ممارسات العمل أصلاً! وبذلك يؤلبُ الموظفين الآخرين على مشاركته أساليبه وأفكاره، وبذلك تعُم الفوضى ويتعثر عملُ المؤسسة وتقِلُ إنتاجيتها. - شيوعُ الظلم وغيابُ العدالة -في حالة عدم معاقبة الموظف المهمل- وهذا ناتج عن غياب التقييم الأمين للموظفين. صحيح أن هنالك حالات اعتبارية تفرضها عقلية المجتمع... وهنالك حالات إنسانية يراها المسؤول جديرة بالمراعاة لأسباب يقتنع هو بها، ولكن يجب ألا تطغى هذه الحالات على واقع العدالة والأمانة. نحن في حياتنا لن نستطيع التخلص من المجاملات، أو انحيازنا لشخص معين، ولكن ينبغي -عند التقييم- أن نتخلصَ من عواطفنا وننظر للأمر بمنظار مصلحة المؤسسة واستحضار العدالة والضمير في هذا الشأن. عموماً كم نحترم الرجل البريطاني الذي يحبُّ عمله، ولم يغب يوماً واحداً حتى وصل عمرُه إلى المئة. ونأمل أن يأخذ الجميع عبرة من قصته، خصوصاً الشباب، ذلك أن إنساناً دون إنتاجية لن يٌعدّهُ التاريخ ضمن المنظومة الإنسانية، ولن يحفل به مجتمعهُ. وفي هذه المناسبة، ينبغي ألا ننسى كلَّ الموظفين المخلصين العاملين باقتدار في مؤسساتهم، ونطالب لهم بالتقدير المناسب ليكونوا قدوة لمن سيأتي بعدَهم.