شكا المريض للطبيب من داء النسيان. سأله الطبيب متى بدأ يشعر بالداء؟.. قال المريض: "أي داء دكتور؟!"... قد تصور هذه النكتة حوار أعضاء "نادي الصيد" في بغداد مع السياسي العراقي أحمد الجلبي الذي دعاهم لتأييده في الانتخابات القادمة. وكيف يمكن من دون نكات الاستماع إلى هجوم الجلبي على الولايات المتحدة التي استخدم دباباتها للاستيلاء على "نادي الصيد" خلال الغزو، وتحويل النادي إلى مقر لحزبه (المؤتمر الوطني)، ولم يخرج منه إلا بقرار من رئيس الحكومة آنذاك أياد علاّوي. ورحم الله طباخي النادي وخدمه الذين ذُبحوا بعد ذلك بأسابيع في أسِّرتهم من قبل جناة مجهولين! و"مهما يكن الشيء الذي يؤلمك لا تخبر به أحداً". يلتزم العراقيون بهذه الحكمة السومرية في تصديق الجلبي الذي يعتبر الرمز الأكبر للاحتلال عندما يقول لهم: "لو استعرضنا الأمور بواقعية وجدّية لِما تحقق طيلة السنوات الخمس، فسنرى أن الأميركيين لم ينجزوا مشروعاً كبيراً واحداً في العراق، سوى بعض المشاريع الصغيرة هنا وهناك ومشاريع الحواجز الكونكريتية". ويردف الجلبي كلامه بتعليق ساخر: "ما شاء الله!". و"ما شاء الله" على الجلبي إعلان مسؤولي الخارجية والدفاع الأميركيين في بغداد قطع العلاقات معه. وهذه رابع مرة تقطع واشنطن علاقاتها بالجلبي، وتتهمه بأنه "غير أهل للثقة ومحتال". وهذا ما كان يقوله حرفياً قبل الاحتلال "الكلب الناطق" الذي زرعته وكالة المخابرات المركزية في القصر الجمهوري ببغداد. وقد تتسع خاتمة المقالة للتذكير بقصة "الكلب الناطق" الذي طردته واشنطن لأنه كذب ادعاء الجلبي بأن العراق يطور أسلحة الدمار الشامل. وهل غير القصص المسلية تجعل العين تذرف دموع الضحك بدل البكاء عند سماع شكوى الجلبي من "استهتار الشركات الأمنية الأجنبية بحياة العراقيين"؟.. يلوم الجلبي في ذلك حاكم الاحتلال "بول بريمر" لإصداره "الأمر رقم 17" القاضي بإعطاء الحصانة للشركات الأجنبية. ويتحدى الجلبي أعضاء "البرلمان العراقي" الذي فشل في دخوله أن يطرحوا مشروع قرار يلغي أمر بريمر. ولا نعلم في حال إصدار البرلمان قراراً كهذا لمن تكون السيطرة على صناعة الأمن التي تحقق أكبر الموارد في البلد بعد صناعة النفط. ويمكن تقدير الأرباح المترتبة على ذلك من كلفة تأمين الحماية للجلبي التي تتحملها الدولة. فالجلبي يتحرك في موكب يتكون من 20 عربة مسلحة تحمل مسلحين شاكي السلاح. وينطلق الموكب في بغداد بسرعة تبلغ 160 كلم في الساعة. يذكر ذلك مراسل صحيفة "لوس انجلوس تايمز" الذي يصف كيف تغلق العربات المسلحة تقاطع الطرق، وتقيم نفقاً متحركا لمرور سيارة الجلبي البيضاء، ثم تتسابق العربات مجتازة الموكب لغلق التقاطع التالي. وعندما يغادر الجلبي السيارة في جولة تفقدية خارجية يحيطه جنود أميركيون وعراقيون، وشرطة عراقيون، وحرس خاص. ومع أعوان لواشنطن، كأحمد الجلبي، ما حاجتها إلى الأعداء؟.. وقد عادت المصادر الأميركية العليا في بغداد للحديث عن "عمالة" الجلبي المزدوجة لطهران. وكان ذلك سبب القطيعة معه عام 2005 وغزو القوات الأميركية مكاتبه في بغداد. وينصب الاتهام الآن على علاقة الجلبي مع العميد قاسم سليماني، قائد ما يُسمى "لواء القدس" في قوات "الحرس الإسلامي الإيراني". وهذا اتهام ظالم لا يأخذ بنظر الاعتبار مهمة الجلبي كرئيس هيئة إعادة بناء خدمات الماء والكهرباء والصحة في البلد. هل يمكن القيام بذلك من دون مساعدة سليماني الذي يُقال إنه الحاكم الفعلي للعراق؟!.. والسؤال ليس نكتة بالنسبة للمسؤولين الأميركيين الذين ذكروا أنهم قطعوا علاقاتهم بالجلبي استجابة لطلب رئيس الوزراء نوري المالكي! وتنبه تعليقات العراقيين في الإنترنت على كلام الجلبي إلى صراع المصالح بين الأسر الحاكمة الجديدة. وينبغي أن تكون قلوب أعضاء "نادي الصيد" من صخر ليسمعوا حديث الجلبي عن "استشراء الفساد في جهاز الدولة العراقية" من دون أن ينفجروا بالضحك. فهو يذكر الحاضرين بأنه تحدث "في هذه القاعة قبل سنتين.. عن مسلسل الفساد الذي حصل في وزارة الدفاع والذي كلف الدولة مليار دولار". وينتقد الرأي العام ومجلس النواب لعدم إبداء الاهتمام المناسب لحجم المشكلة، ويأسف على حال "الذين تصدوا لهذا الفساد في مفوضية النزاهة وأصبحوا في النتيجة هم الملاحقون"! قد يطمئن هذا الكلام أغنياء الاحتلال الذين أصبحوا أعضاء في "نادي الصيد" إلى أنهم بمنجى من النزاهة. ولمن بقي في النادي من النخبة العراقية المثقفة تسلية أنفسهم بقراءة آخر كتاب صدر عن الجلبي بالإنكليزية. عنوان الكتاب "الرجل الذي دفع أميركا للحرب"، ويقدم مؤلفه "آرام روستن" مادة صالحة للدراسات الأنثربولوجية، حين يلقي الضوء على الشجرة المتداخلة لأسر أصحاب المصالح، ويروي قصة انهيار "إمبراطورية الجلبي" بعد وفاة عميد الأسرة عبد الهادي الجلبي عام 1989، وظهور أحمد الجلبي، أصغر أبنائه على مسرح الأحداث. ويُستهل الكتاب بمشهد أحمد الجلبي وهو محاط بمراسلي الصحف في مكتبه في "المنطقة الخضراء" يوم 28 أبريل 2005. "حدثان مهمان وقعا للجلبي وأسرته في ذلك اليوم، أحدهما سياسي والآخر مالي". الحدث الأول الذي كان سبب حضور الصحفيين هو تعيينه بمنصب نائب رئيس الوزراء، ووزير النفط بالوكالة. وتلك كانت أول مرة يصبح فيها الجلبي البالغ آنذاك الستين من العمر عضواً في الحكومة. والحدث الثاني توقيع "المصرف التجاري العراقي" على "اتفاق استراتيجي" مع "كارد تيك" في لندن، وهي شركة مختصة بالبطاقات المصرفية الأوتوماتيكية. مدير "المصرف التجاري العراقي" حسين الأزري، حفيد شقيقة الجلبي، ومدير شركة "كارد تيك" جعفر أغا جعفر، ابن أخت الجلبي، الذي يساهم في ملكية الشركة. ولعل هذا ما يعنيه الجلبي بدعوته في "نادي الصيد" إلى "استنهاض الروح الوطنية لدى العراقيين" واعتبار ذلك "ورقة رابحة". فتاريخ العراق لم يشهد سياسياً كالجلبي كرس مواهبه لدعم قوانين وإجراءات تدمير أسس الروح الوطنية والمواطنة، بدءاً من فرض الحصار الاقتصادي على البلد 13 عاماً، وحل الجيش والقوات المسلحة والأمن، واجتثاث الأجهزة الإدارية، ونهب أرشيف وسجلات الدولة. ويذكر وزير دفاع حكومة الاحتلال علي علاّوي في كتابه الصادر بالإنكليزية "احتلال العراق"، أن "حزب الدعوة" و"المجلس الإسلامي الأعلى" دعيا إلى الإلغاء الفوري لقرار الحصار الاقتصادي، لكن حزب الجلبي (المؤتمر الوطني) وحزب أياد علاّوي (الوفاق الوطني)، أصرا على المضي في فرض الحصار إلى النهاية. ولا يعلم إلاّ الله ما فعله الحصار بملايين العراقيين، الذين لا يخبرون أحداً بما يؤلمهم. لأجل عيونهم نروي قصصاً مسلية كقصة "الكلب الناطق" المنشورة هنا في 2/10/2003. وقد يتذكر بعضهم أن "الكلب الناطق" عُرض للبيع مقابل 10 دولارات بعد طرده من الخدمة. وعندما استغرب الناس سعره الرخيص قال بائع الكلب: "هذا أكبر كلب كذاب بالتاريخ... لا عاش بالقصر الجمهوري... ولا سافر لواشنطن بحياته. عُمره ما طلع من البيت، وكل وقته قضّاه يلعب بالكومبيوتر والإنترنت"!