القتال الدامي الذي اندلع في بيروت هذا الشهر، لم يكن سوى الانتكاسة الأخيرة في سلسلة انتكاسات لقضية الديمقراطية حول العالم. وما حدث في العاصمة اللبنانية، هو أن "حزب الله" الذي يتمتع بقوة ساحقة، تمكن من الضغط على الحكومة اللبنانية المنتخبة ديمقراطياً، ودفعها للتراجع عن قرارين كانت قد اتخذتهما: الأول يتعلق بحرمان الحزب من شبكة اتصالات خاصة به، والثاني يتعلق بإقالة مدير أمن المطار وهو حليف مهم للحزب. والتراجع عن الديمقراطية في لبنان لم يكن سوى جزء من تيار أوسع نطاقاً، وذلك كما يتبين لنا من التطورات والأحداث التالية: في جورجيا: إعلان رئيس الجمهورية المنتخب ديمقراطياً لحالة الطوارئ، بعد الاحتجاجات الهائلة التي تعرض لها شهر نوفمبر الماضي. في أوكرانيا: بعد "الثورة البرتقالية" المؤيدة للديمقراطية التي أطاحت بالرئيس "فيكتور ياناكوفيتش" كانت الاتجاهات الأوتقراطية لخليفته "فيكتور يوشينكو" سبباً في العودة المفاجئة للرئيس السابق في الانتخابات الأخيرة. والمشكلة في أوكرانيا أن التزام الرئيسين السابق واللاحق والذي يحمل كل منهما اسم "فيكتور" بالخيار الديمقراطي هو التزام غير مضمون. وتلك الانتكاسات تقدم دليلاً إضافياً على أن العالم قد غدا غارقاً في ما أطلق عليه عالم الاجتماعيات "لاري داياموند" مؤخراً "الركود الديمقراطي". على ضوء هذا الركود، نرى أن الوقت قد حان لإعادة التفكير في السنوات الخمس والعشرين الماضية التي حاولت الولايات المتحدة عبرها ترويج الديمقراطية ولم تنجح في ذلك، وهو ما يرجع إلى أن صناع السياسة قد حاولوا مقاربتها من المنظور الخطأ ونظروا إليها على أنها حق فقط في حين كان يجب أن ينظروا إليها على أنها حق وخيار في آن معاً. فمن المعروف أن الديمقراطية الناجحة تتطلب اتفاقاً مجتمعياً واسع النطاق على عدم اللجوء للعنف، وهو ما يتم من خلال تداولات السلطة التي تتم في مواعيد منتظمة، والتي قد تؤدي أحيانا إلى هز الاستقرار(واسمها الأكثر انتشارا هو الانتخابات). وكما نتعلم من كل عبوة ناسفة تنفجر على جانب الطرق في بغداد فإن هذا "الاتفاق الهش" يمكن أن يتعرض بسهولة للتقويض من قبل أي مجموعات صغيرة مظلومة. وفي الديمقراطيات الناجحة يتم منع مثل هذه الفوضى، من خلال آليات مثل القيود والتوازنات، التي تعمل على تفتيت السلطة بدلاً من تركيزها وتحمي حقوق الأقليات. والديمقراطية لا يمكن أن تنجح دون انضمام كل مواطن تقريبا وإيمانه بالخيار الديمقراطي. يُشار إلى أن الولايات المتحدة قد بدأت التركيز على الحقوق الديمقراطية في العالم باعتبارها مبدأً أساسياً من مبادئ سياساتها الخارجية منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، وهو ما يظهر عبر ما كتبه الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريجان عام 1982: "الحرية ليست هي الحق الذي يقتصر فقط على قلة محظوظة، وإنما هي حق عام، وشامل، وغير قابل للتصرف فيه، للبشرية جمعاء". وقد اكتسب هذا التوجه المزيد من الزخم في نهاية الحرب الباردة حيث بنى الرئيس بوش على ما بدأه أسلافه في خطاب عام 2002 قال فيه: إن شعوب الأمم الإسلامية تريد، وتستحق نفس أنواع الحريات والفرص التي تستحقها شعوب الأمم الأخرى في كل مكان في العالم، ويجب على حكومات تلك الشعوب أن تستمع إلى مطالبها وآمالها". وهذه المقولة شديدة الدلالة ليس لأنها مثيرة للطموح فحسب ولكن لأنها إرشادية وتوجيهية كذلك، عندما تدعو الحكومات الإسلامية إلى الاستماع إلى آمال شعوبها. وصياغة بوش لتلك المقولة مستمدة من مبادئ الحزب "الجمهوري" وميله الطبيعي نحو أصحاب المبادئ الأيديولوجية التحررية، والتي تفترض أن الديمقراطيات ستزدهر إذا ما انزاح الحكام الأوتوقراطيين من الطريق، أو أجبروا على الخروج من السلطة بواسطة القوة الأميركية. لو كان الأمر على هذا القدر من البساطة، لكان ترويج آلية الانتخابات من خلال الرصاصة، وإطاحة الأنظمة"الشريرة" خيارين ذا معنى وهو ما لم يكن صحيحاً كما تدل على ذلك تجربتانا في بغداد وكابول واللتان أكدتا لنا بما لا يدعو مجالا لشك أن فرض الديمقراطية من الخارج هو أمر أكثر تعقيداً مما قد يبدو عليه للوهلة الأولى.. وبدلا من التركيز على الدعوة للديمقراطية من القمة للقاعدة أي من خلال الضغط على الحكومات القمعية كي تقوم هي بتبني الديمقراطية، يجب علينا العمل من خلال المجتمعات التي تفتقر إلى التقاليد الديمقراطية من القاعدة إلى القمة، حتى نستطيع خلق الظروف اللازمة للاتفاق المجتمعي. واستراتيجية الإدارة الخاصة بترويج الديمقراطية يجب أن تعكس هذا الأمر من خلال أربع طرائق:" الأولى، التخلي عن إصرارها عن أن العراق يمثل نموذجا لترويج الديمقراطية، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تتطور وتنجح في جو الفوضى العارمة الذي أعقب التدخل العسكري. الثاني، زيادة القدرة على بناء إطار ديمقراطي أساسي خصوصا في المواقع، التي تحتاج إليه، وذلك من خلال المبادرات التوعوية العالمية التي تحبذ الضوابط والتوازنات، وحماية حقوق الأقليات. الثالث، يجب علينا أن نتعلم الاعتراف بأن المجتمعات مهيأة للتغير ولكنها تتأخر عن التقدم إليه بسبب حكوماتها المستبدة، وأن ندرك أن الولايات المتحدة الأميركية باعتبارها القوة الأكبر في العالم هي التي يجب أن تضطلع بمسؤولية استخدام نفوذها "غير العسكري" من أجل إزاحة هذه الحكومات جانباً. أخرا وليس أخيرا، يجب علينا أن ندرك أن ليس كل المجتمعات تفسر الديمقراطية بالطريقة التي نفسرها بها في الغرب. إدارة بوش وعلى رغم كل عيوبها، تعترف بأن المسار الحالي للمساعدات الدولية غير قابل للاستمرار، وأن الطغيان يؤدي إلى توليد التطرف، في حين أن الترويج الفعال للديمقراطية هو الذي يؤدي إلى تقويضه. إعادة النظر مجدداً في مقاربتنا للديمقراطية ستضمن أن الأفكار النبيلة لـ"أجندة الحرية" لن تنتهي برحيل إدارة بوش وأنها ربما -ربما فقط- تساعد على الحيلولة دون الوقوع في فخ هذا النوع من التدهور الذي شاهدناه في بيروت. ويليام مينش إيفانز ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ باحث بـ"مجلس العلاقات الخارجية" الأميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"