أخيراً انتهت الأزمة اللبنانية. جاءت الانفراجة في لحظة لم يكن يتوقعها معظم المراقبين استناداً إلى خبرة شهور مضت بدت خلالها الأطراف اللبنانية في الأزمة عاجزة عن التوصل إلى حل، فاقدة حتى القدرة على إدامة التهدئة، سواء أكان هذا العجز راجعاً إلى تناقض حقيقي بين مصالحها أو إلى حضور ثقيل لمصالح أطراف خارجية. اتفقت الأطراف على الانتخاب الفوري للرئيس التوافقي ممثلاً في شخص العماد ميشيل سليمان قائد الجيش، وتشكيل حكومة وحدة وطنية بتركيبة تعكس موازين القوى السياسية الداخلية في لبنان، مع اعتماد القانون الانتخابي لعام 1960 وإن بتفصيلات خاصة بمدينة بيروت تحديداً. يلفت النظر في هذه التسوية أولاً أنها يمكن أن تتهم بتجاوز الدستور، طالما أن انتخاب رئيس للجمهورية ظل يمارس مهام قائد الجيش لآخر يوم قبل انتخابه مناقض للدستور الذي ينص على ضرورة مضي عامين على ترك كبار الموظفين مواقعهم قبل أن يكون ممكناً انتخابهم لرئاسة الجمهورية، وقد يذكر المتابعون للأزمة أن تعديل الدستور قد طرح في وقت من الأوقات لمواجهة هذه المشكلة، غير أن جدلاً ممجوجاً دار آنذاك حول الكيفية المثلى لعمل هذا التعديل في ظل عدم اعتراف المعارضة بشرعية الحكومة، وكانت الدلالة الأساسية لهذا الجدل أن أطرافاً لبنانية وحلفاءها الخارجيين لم تر بعد أن أوان المصالحة قد حان. غير أن الرد سهل على هذا المطعن الدستوري، أولاً لأن كافة الأطراف تجاوزت الدستور بشكل أو بآخر إبان الأزمة، وثانياً لأن الدستور في النهاية ليس إلا وثيقة قانونية عليا تعكس موازين القوى السياسية لحظة وضعه، وطالما أن كافة القوى السياسية المؤثرة في لبنان قد توافقت على العماد ميشيل سليمان رئيساً للجمهورية في ظروف أزمة هددت كيان الوطن ذاته، مدعومة في هذا برأي عام لبناني مؤيد لهذه الخطوة، فإن الحكم ممكن بأن هذه الخطوة تكتسب جوهر الدستورية وإن كانت فاقدة لشكلها، وأنها كانت ضرورية في مرحلة أشبه بمراحل التغيير الثوري التي لا تلتزم بالضرورة بالبنى القانونية الدائمة، مع التحذير بأن هذا المنطق يفتح الباب إذا أسيء استخدامه لعبث حقيقي بالدستور. يلفت النظر في التسوية ثانياً أنها تمت بعد عملية تغيير لميزان القوى الداخلي في لبنان، أو لنقل إنها كانت كاشفة لحقيقته. أرادت الحكومة اللبنانية في آخر فصل من فصول الأزمة أن تتحدى المعارضة -و"حزب الله" تحديداً- بقرارين يتعلقان بشخص مدير أمن مطار بيروت وشبكة اتصالات الحزب، ولم يكن مفهوماً لماذا اختارت الحكومة هذا التوقيت، فإما أنها أخطأت في حساب ردود فعل المعارضة، وإما أنها عولت على الدعم الخارجي، ومن الواضح أنها أساءت التقدير في الأمرين معاً، فجاء رد فعل "حزب الله" على نحو ما نعلم، واكتفت القوى الكبرى والعظمى المؤيدة للحكومة بردود الأفعال اللفظية. ولو صح هذا التحليل الذي يفيد بأن العامل الرئيسي في التوصل إلى التسوية هو كسر ميزان القوى القائم، أو بالأحرى الكشف عن جوهره، فإن المعارضة وعلى رأسها "حزب الله" مطالبة من أجل الحفاظ على أنصارها في الساحة اللبنانية وخارجها بسلوك توافقي يلتزم بجوهر التسوية التي منعت على نحو قاطع الاحتكام إلى السلاح مرة أخرى في إدارة التفاعلات السياسية الداخلية، ولن يكون هذا السلوك من قبل المعارضة سوى تهدئة للهواجس التي أصابت قطاعات من اللبنانيين والعرب بسبب الطريقة التي أدير بها آخر فصول الأزمة اللبنانية. وأول السلوك التوافقي لابد وأن يظهر في الخطاب الإعلامي، ويتضح في إدارة الحوار حول مسائل أكثر خطورة بخصوص الوضع السياسي في لبنان عامة، مع التأكيد على أن الموالاة بدورها مطالبة بهذا السلوك التوافقي بالدرجة نفسها. يبقى بعد ذلك حديث عن دور الأطراف الخارجية في التسوية، وقد مر على الأزمة اللبنانية حينٌ من الدهر بدا الطرف العربي ممثلاً في الجامعة العربية وأمينها العام غير قادر على التوصل إلى حل للأزمة على الرغم مما طرح من مبادرات، وما قام به الأمين العام من جهود مكوكية، وبدا هذا العجز العربي انعكاساً لأمرين: أولهما تباين مواقف الدول العربية الرئيسية مما يجري في لبنان، وخاصة أن المبادرة العربية في صيغتها الأولى خلت من بعض التفاصيل مما سهل موافقة جميع الدول العربية عليها، على الرغم مما بينها من خلافات. أما الأمر الثاني فهو الحضور الإيراني القوي في صف المعارضة والأميركي القوي كذلك في صف الموالاة. ولذلك بلغ التشاؤم مبلغه فيما يتعلق بمستقبل مهمة اللجنة الوزارية التي شكلها المجلس الوزاري للجامعة العربية في اجتماعه الذي انعقد بعد تردي الأوضاع في لبنان إلى حد الاحتكام إلى السلاح، وإن حمد لهذه اللجنة أن تشكيلها قد استبعد دولاً عربية رئيسية انحازت إلى هذا الطرف أو ذاك، وكان من شأن تمثيلها في اللجنة أن يجعلها قنبلة موقوتة أكثر منها آلية للتسوية. وليس معروفاً لكاتب هذه السطور حتى الآن طبيعة الاتصالات التي أجرتها اللجنة مع الأطراف العربية والإقليمية ذات التأثير، ولا محتوى هذه الاتصالات، غير أنه لاشك أن مهمة اللجنة قد سهّلت بتغيير ميزان القوى القائم في لبنان أو بالأحرى الكشف عن حقيقته، وهو الأمر الذي جعل جوهر التسوية غير بعيد عن الاستجابة لمطالب المعارضة بما أرضى مؤيديها من الأطراف العربية والإقليمية، أما مؤيدو الموالاة من الأطراف العربية والأوروبية والأميركية فكان واضحاً أنهم فضلوا عدم عرقلة التسوية بعد أن فقدوا القدرة على التأثير فيها، وهو أمر يحسب لهم على أية حال. والدلالة المهمة لما سبق أن الفاعلين الرئيسيين في التوصل إلى التسوية كانوا أطرافاً لبنانية داخلية وأطرافاً عربية وإقليمية، أما الأطراف العالمية فقد توارى دورها على نحو يعزز حجج القائلين إن ثمة دينامية ذاتية للتفاعلات السياسية في الأقاليم لا تتأثر بالضرورة بإرادة القوى العظمى والكبرى، ومن شأن هذا أن يفتح الباب لتكرار النموذج اللبناني في حالات أخرى، وهذا حديث آخر. يتصل بهذا أن تسوية الأزمة اللبنانية تحسب في النهاية للعمل العربي المشترك، وقد جاءت تتويجاً لجهود الجامعة العربية وأمينها العام، وانتصاراً لدبلوماسية دولة عربية صغيرة هي قطر التي لعبت قيادتها دوراً لاشك في أهميته في تيسير التوصل إلى الاتفاق، والأهم أن السابقة اللبنانية تفتح الباب للأمل في تكرارها في حالات أخرى لا تقل أهمية عن الأزمة اللبنانية. يبقى ألا يتصور أحد أن لبنان قد وصل بهذه التسوية إلى بر السلامة، وإنما الأدق القول إن القاطرة اللبنانية قد أعيد وضعها على السكة الصحيحة، أما قدرتها على مواجهة ما ستصادفه من حوادث وعقبات فمرهونة بسيادة روح العيش المشترك بين كافة الفرقاء في لبنان، ودعم الظهير العربي للبنان كبديل عن المساعدة على تفكيكه، والاستمرار في تحييد التأثيرات الإقليمية والعالمية التي ترى في لبنان ساحة لتحقيق مصالحها، وليس تجربة جديرة بالبقاء والازدهار لتكون عنواناً للعيش المشترك في وطننا العربي، بل وفي العالم كله.