يحظى العمل التطوعي باهتمام خاص من قبل الدولة والمؤسسات المعنية، وفي مقدمتها "هيئة الهلال الأحمر"، وثمة مؤشرات عديدة تعكس هذا الاهتمام بشكل واضح، منها المبادرات الإنسانية العديدة التي أطلقت بهدف دعم المحتاجين، ونشير هنا على سبيل المثال إلى "منتدى زايد العطاء"، والذي يشكل تجربة فريدة في العمل الإنساني، قادها المغفور له - بإذن الله تعالى - الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لسنوات طويلة، وكان من نتائجها تأسيس عشرات المستشفيات والمراكز الطبية المتخصصة في مختلف دول العالم. وفي السياق نفسه، تبذل المؤسسات التطوعية والخيرية جهوداً كبيرة لتطوير أدائها على الصعيدين الداخلي والخارجي، ونشير في هذا الصدد إلى قيام هذه المؤسسات مؤخراً بعقد اجتماع تنسيقي قرر تشكيل لجنة مشتركة للإغاثة في الداخل والخارج، تتولى تحديد المهام وترتيب أولويات الأعمال الإنسانية المشتركة خاصة في الحالات الطارئة، والقيام بعملية الربط الإلكتروني بين الجهات الخيرية كافة بالدولة. وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي تبذلها الدولة والمؤسسات المعنية لتطوير وتدعيم العمل الخيري والتطوعي، فإن هناك مشكلة أساسية على هذا الصعيد، تتمثل في ضعف ثقافة التطوّع في المجتمع بشكل عام، وهو ما يعكسه ضعف الإقبال على عضوية جمعيات النفع العام، والسبب الرئيسي لهذا الضعف، الذي يمثل مشكلة حقيقية في سبيل العمل التطوعي، تفضيل الاتجاه إلى المشاركة في الأنشطة ذات المردود المادي نظراً للنقلة المادية التي يعيشها المجتمع والمتطلبات الاجتماعية التي ترهق في بعض الأحيان كاهل الأسر، وهذا أمر غير متوافر في حالة الجمعيات الخيرية والتطوعية التي تقوم على مبدأ العمل المجاني. وفضلاً عن ذلك، فإن العمل التطوعي يقتطع كثيراً من الوقت الذي يفضل البعض استغلاله في الراحة بدلاً من الالتزام بأي أمور أخرى، ومن بينها التطوّع للعمل في المنظمات الإنسانية. وفي هذا السياق، هناك قصور لدى بعض جمعيات النفع العام إجمالاً في الدولة على الصعيد الخاص بتنظيم أنشطة تنهض بالعمل التطوعي، وتنهض بثقافته. وفي الواقع، فإن هذه المشكلة تمثل عائقاً أمام إحداث المزيد من تطوير العمل التطوعي، حيث إن هذا المجال يحتاج إلى متطوعين ينفذون البرامج والأنشطة الخاصة بالمنظمات التطوعية. ومن ثم، فإن هناك ضرورة أساسية لتنمية الثقافة التطوعية، حتى يكون بالإمكان تشجيع الكثيرين على الانخراط في مجال التطوع. وهذا الأمر يتطلب العمل على محاور عدة: أولها، تأكيد أهمية العمل التطوعي الذي يعتبر من القيم الإنسانية والدينية النبيلة. ثانيها، توجيه المزيد من الدعم لمصلحة جمعيات النفع العام، والتي يعاني بعضها معوقات مادية وظرفية ومكانية تحول دون تواصلها مع الآخرين، وهذا الأمر من شأنه المساهمة في تحريك المسار الاجتماعي وتغيير الاتجاه السلوكي لدى الناس باتجاه إدراك أهمية العمل التطوعي وقيمته. ثالثها، تنظيم برامج تدريبية للمتطوعين مع استقطاب الخبرات التطوعية والاستفادة منها، وذلك على النحو الذي يصقل مهاراتهم وينمي قدراتهم في هذا الصدد. ونشير في هذا الإطار إلى ضرورة توجيه المزيد من الجهد لمصلحة دعم جمعية متطوعي الإمارات من خلال التوعية بدورها وأهميتها. رابعها، تنظيم أنشطة تطوعية سنوية على مستوى الدولة لدعم منظومة العمل التطوعي، ويمكن لوسائل الإعلام أن تقوم بدور مؤثر في هذا المجال من خلال خريطة برامج توضح أهمية العمل التطوعي بالنسبة إلى الفرد والمجتمع على السواء. خامسها، يخص المتطوع ذاته، والذي يجب عليه تنفيذ المهام المكلف بها بكفاءة وفاعلية، والالتزام بقواعد العمل الجماعي، والتعامل الإنساني مع الآخرين، والمشاركة في النشاطات الخاصة بمجالات التطوع داخل الدولة وخارجها. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية