بالنظر إلى بشاعة جريمة "الاتّجار بالبشر" فإن هناك جهوداً دولية متواصلة تبذل على محاور متعدّدة للقضاء عليها، وفي هذا الإطار تولي دولة الإمارات العربية المتحدة أهمية خاصة لمكافحة هذه الجريمة اللاإنسانية، وتبذل جهوداً مكثفة على صُعُد متعدّدة، منها التدابير القانونية والتنظيمية لمواجهة تلك الجريمة، ونشير في هذا الإطار إلى القانون الاتحادي رقم (51) لسنة 2006 لـ"مكافحة الاتّجار بالبشر"، الذي يعتبر الأول من نوعه في المنطقة العربية، ومن هذه الجهود كذلك المشاركة النشطة في الفعاليات الدولية الهادفة إلى تكتيل الجهود لقطع الطريق أمام هذه التجارة الرديئة. ونشير هنا على سبيل المثال إلى المشاركة المتميزة للدولة في "منتدى فيينا" لـ"مكافحة الاتّجار بالبشر"، الذي عقد خلال الفترة من 12-15 فبراير الماضي. ويضاف إلى ذلك، التبرّع السخي من الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلّحة، لدعم جهود الأمم المتحدة في مكافحة جريمة "الاتّجار بالبشر"، الذي يمثّل تعبيراً واضحاً عن عمق التزام الدولة بالتصدّي لهذه الجريمة من خلال تعاون دولي يكون على قدر التحدّي الذي تمثّله طبيعة الشبكة المعقّدة والعابرة للحدود التي تميّز جريمة "الاتّجار بالبشر". وفي الواقع، فإن هذه الجهود التي تبذلها الدولة على صعيد "مكافحة الاتّجار بالبشر" ترتكز على موقف مبدئي مناهض بكل قوة لتلك الجريمة، يعكسه ما نصّت عليه المادة (34) من دستور الدولة من "عدم جواز استعباد أي إنسان وعدم فرض أي عمل إجباري على أحد"، ويتجسّد أيضاً فيما يتخذ من تدابير وإجراءات وخطوات عملية على الأرض، منها قرار مجلس الوزراء رقم (15) لسنة 2007 بإنشاء "اللجنة الوطنية لمكافحة الاتّجار بالبشر"، التي تعدّ خطوة مهمّة للغاية، بالنظر إلى طبيعة المهام الموكلة لـ"اللجنة"، والتي تقوم بصفة دورية بحصر ومتابعة قضايا "الاتّجار بالبشر" مع جهات الاختصاص. وفي سياق تواصل هذه الجهود جاء التقرير السنوي الأول الذي أصدرته اللجنة المذكورة، يوم الاثنين الماضي، تحت عنوان "مكافحة الاتّجار بالبشر في الإمارات العربية المتحدة 2007". وجاء نشر التقرير قبل المشاركة في اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة، الذي سيعقد في مدينة نيويورك في شهر يونيو المقبل. ومن هنا، فإن عنصر التوقيت في إصدار هذا التقرير له أهمية خاصة. بيد أن أهمية التقرير لا تكمن في توقيت صدوره فقط، فما احتواه أكثر أهمية، حيث إنه يرصد الإجراءات التي اتخذتها الإمارات منذ إصدار القانون الاتحادي رقم (51) لمكافحة تلك الجريمة ويسلّط الضوء على الخطط المستقبلية لمحاربة هذه الظاهرة الخطيرة وأبرز التحدّيات التي تواجه الدولة في هذا السياق. وعلى صعيد آخر، يقدّم التقرير صورة للاهتمام الخاص الذي توليه الدولة لتحسين الوضع الإنساني والصحي لضحايا الاتّجار بالبشر، حيث حقّقت الدولة العديد من الإنجازات في هذا المجال أبرزها جهود "مؤسسة دبي الخيرية لرعاية النساء والأطفال المتضررين من جرائم الاتّجار بالبشر"، بالإضافة إلى إنشاء "مركز أبوظبي لإيواء ضحايا الاتّجار بالبشر"، كما يسلّط التقرير الضوء على استراتيجية الدولة في "مكافحة الاتّجار بالبشر". وممّا لاشكّ فيه أن التقرير الذي أكّد الالتزام الكبير للإمارات في مكافحة جرائم "الاتّجار بالبشر"، يعدّ وثيقة شجاعة للتعاطي بشفافية كاملة مع مشكلة يعانيها الكثير من دول العالم. ونشير في هذا الصدد إلى ما أكّده التقرير من تسجيل عشر قضايا متعلّقة بجرائم "الاتّجار بالبشر" حتى نهاية عام 2007، وتمّ إصدار أحكام بالإدانة في خمس قضايا واجه المتهمون فيها عقوبات بالسجن.