ما من شكّ في أن ما تمّ التوصّل إليه في الدوحة مدعاة فرح لأغلبيّة اللبنانيّين الساحقة. فهو، في أسوأ الأحوال، يوفّر فرصة لالتقاط الأنفاس ولهدنة يُستبعَد فيها العنف والقتل. لكنْ منعاً لخيبات الأمل التي تكرّرت في السنوات الأخيرة، يبقى من الضروريّ الرجوع إلى الأيّام الدمويّة الأخيرة وإعادة قراءتها بما يحدّد المسؤوليّات ويساهم في تصويب صورة ما حصل من أجل ضبط حدود ما قد يحصل. فقد قال بعضهم، لدى استعراض تلك الأيّام وأحداثها، إن المسؤول عمّا جرى رئيس الحكومة فؤاد السنيورة وحكومته، ومن ورائهم قطب "14 آذار" وليد جنبلاط. ذاك أن هؤلاء أصدروا القرارين اللذين باتا شهيرين فيما خصّ مطار رفيق الحريري ومسؤوله الأمنيّ وشبكة "حزب الله" الاتّصاليّة. ويضيف قائلو الكلام هذا إن الحكومة بفعلتها تلك جرّت "حزب الله" إلى صراع داخليّ لم يُرده أبداً لأنه مقاومة مكرّسة لمقاتلة إسرائيل وحدها. وهذه حجج صحيحة في الشكل فحسب. أما في الجوهر، فلا تعدو كونها جمْعاً للأخطاء ورصْفاً للترَّهات. صحيح أن قراري الحكومة وفّرا الذريعة لغزوة بيروت. بيد أن الحكومة، وعلى رغم الامتيازات التي يحظى بها "حزب الله" كمقاومة، يُفترض أن تملك القدرة، شأن أيّة حكومة في العالم، على الإمساك بمطارها وأمنه، وعلى حصر الاتّصالات ذات الطابع الاستراتيجيّ بالجيش الوطنيّ وحده. وهناك، كما بات يعلم الجميع، سابقة اغتيال النائب والصحفيّ جبران تويني حيث كان المطار إحدى محطّات التخطيط والرصد مما تستلزمه عمليّة الاغتيال. على أن ما يفوق ذلك أهميّةً أن الضربة العسكريّة التي وُجّهت إلى بيروت، وتقسيم العمل المنظّم بين أطرافها الحزبيّين والحربيّين، يوحيان بتحضير سابق على القرارين. فكأن "حزب الله" كان يبحث عن حجّة مناسبة لو لم يوفّرها القراران وفّرها شأن آخر. وليس من غير دلالة أن "الحزب" وحلفاءه، شرعوا، قبل عام، ينشرون حملة كثيفة عن تسلّح قوى "الموالاة" و"ميليشيات السلطة" بما يهدّد الأمن والاستقرار والعيش المشترك. حتى إذا اندلع القتال، غير المتكافئ كليّاً، تبيّن أن الحملة تلك من قبيل التعبئة النفسيّة تمهيداً لضربة عسكريّة يمارسها من يملكون الميليشيات حقّاً. لكنْ ما الذي أراده حزب حسن نصر الله تحديداً؟ لقد جاءت حرب يوليو 2006 التي شُنّت وخيضت من وراء ظهر الحكومة، واغتياباً لعمليّة الحوار التي كانت تدور بين الفرقاء السياسيّين، تضع الحزب في موقع حرج. ذاك أن تجاهل الحكومة بخطف جنديّين إسرائيليّين وخطف ثمانية خارج الحدود الدوليّة، لم يحل دون اللجوء إليها لتعديل القرار الدوليّ على النحو الذي استقرّ عليه القرار 1701. آنذاك وُصف فؤاد السنيورة وحكومته بـ"المقاومة السياسية"، كما تحدّث رموز "حزب الله" وأوساطه عن "تكامل الجهود المقاومة". لكنْ ما إن انتهت الحرب التي كشفت حدود المغامرة العسكريّة الموصوفة بـ"النصر الإلهيّ"، حتى ظهرت استراتيجيّة أخرى مؤدّاها الانقضاض على الداخل والضغط من أجل الإمساك بالسلطة، أو قضمها خطوة خطوة. هنا عبّرت الغزوة عن نفسها في نصب الخيم في الوسط التجاريّ وتعطيل دورة الحياة الماليّة والاقتصاديّة. بلغة أخرى، حال القرار 1701 بين "الحزب" وبين مقاومة إسرائيل، ناشراً القوّات الدوليّة بينهما، فانتفى مبرّر استمرار الأوّل على قيد الحياة. ولأن الأحزاب تتحوّل إلى مواقع ومصالح ومراتب بيروقراطيّة، فإنها لا تستقيل ولا تنحلّ بنتيجة انتفاء مبرّرها، لاسيّما أن "حزب الله" شبكة بالغة التفرّع والقوّة. فهو، مثلاً، يملك جيشاً أقوى بلا قياس من الجيش اللبنانيّ كما يُعدّ ربّ العمل الأوّل في لبنان، فضلاً عن امتلاكه سلسلة طويلة من الشركات والمدارس والمشافي وغيرها. ثم إنه لا يستقيل أن ينحلّ ويستقيل لسبب آخر أشدّ أهميّة، يتّصل بدوره في خدمة الاستراتيجيّة الإيرانيّة-السوريّة التي وقعت في مزارع شبعا على ذريعتها لإبقاء النزاع معلّقاً والتوتّر قائماً إلى أن تتوافر فرصة استخدامهما. ومعروف أن سائر المحاولات التي خيضت لفصل لبنان عن تلك الاستراتيجيّة واجهها الاستئصال الاغتياليّ، بدءاً بقتل رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري مروراً ببقيّة السياسيّين والصحفيّين والعسكريّين الذين اغتيلوا. غير أن "الحزب" آثر محاصرة السلطة من غير الانقضاض الكامل عليها لأسباب عدّة. ذاك أن إيران، على عكس سوريّا، لم تكن تبغي الذهاب أبعد مما يجب في الصراع مع الولايات المتّحدة ودول "الاعتدال العربيّ". ومثلما كان يحرجها انفجار نزاع طائفيّ سُنِّيٍّ-شيعيّ مفتوح في المنطقة، بدت الطائفة الشيعيّة التي تكبّدت تكلفة حرب يوليو غير مهيّأة ولا متحمّسة لمغامرة أخرى تجري، هذه المرّة، في الداخل. في هذه الحدود احتُلّ الوسط التجاريّ بالخيم وصِير إلى تعطيل المؤسّسات الدستوريّة، أو إضعافها والطعن بشرعيّتها. فمن الحكومة التي حوصرت في السراي، سُحب الوزراء الشيعة وقد استقالوا، فيما أُغلق البرلمان وحيل دون انتخاب رئيس للجمهوريّة. وكانت الحجّة التي تتردّد أن الفئة الحاكمة تستأثر وحدها بالسلطة ممتنعةً عن مشاركة الأقليّة المعارضة التي تضمّ إلى "حزب الله" كلاً من "حركة أمل" و"التيّار الوطنيّ الحرّ" لصاحبه العماد ميشال عون. غير أن الحجّة تلك لم يقبلها إلا الذين رغبوا سلفاً في قبولها. ذاك أن المشاركة في السلطة كانت لتكون تحصيل حاصل لولا عدد من المواقف التي تخرج عن أيّ إجماع يمكن أن تحتويه العمليّة السياسيّة الوطنيّة. في طليعة ذلك بندقيّة "حزب الله" التي خاضت حربها المستقلّة في يوليو 2006 والموقف الغامض (في أحسن الأحوال) من مسألة المحكمة الدوليّة في جريمة اغتيال الحريري. كائناً ما كان الأمر، بدا أن المعارضة سعت لأن تأخذ بالقوّة ما لم تأخذه بالسياسة مستفيدة من القرارين الحكوميّين. وهو ما ترافق مع تحوّلات إقليميّة أهمّها أحداث البصرة التي وجّهت ضربة قاصمة لمقتدى الصدر، حليف طهران الأوّل، فضلاً عن رفض إيران الحوافز الغربيّة التي عُرضت عليها فيما خصّ مشروعها النوويّ. ودائماً لا تغيب عن عناصر التحليل أن الإدارة الأميركيّة باتت بطّة عرجاء، والمزاج السياسيّ الأميركيّ هو حاليّاً مزاج انتخابيّ، وداخليّ تالياً. في هذا المعنى أتت معارك بيروت والجبل تحقّق انتصاراً عسكريّاً عكسته الدوحة، إلا أنها تحجّم ذاك الانتصار أيضاً، وهو ما عكسته الدوحة كذلك. فقد تبدّى أن السيطرة العسكريّة لـ"الحزب" على بيروت مكلفة جدّاً على صورته، ليس لبنانيّاً فحسب، بل في عموم العالميْن العربيّ والإسلاميّ. وفوق هذا، تبيّن، على ضوء مواجهات الجبل وأحوال طرابلس والشمال، استحالة إمساك المعارضة بالسلطة على نطاق لبنان بأسره، لاسيّما أنها لم تجد الطرف القادر على تقديم ذريعة للتدخّل في المناطق المسيحيّة تبعاً لضعف الجنرال عون. وقد يصعب، هنا، تلخيص ما انتهت إليه الدوحة ومعناه بقياس التوازنات السياسيّة. غير أن الظنّ الغالب يذهب إلى افتراض هدنة قد تطول أو تقصر تبعاً لسلوك "حزب الله". فهل يتّجه، محكوماً بالطبع بحساباته الإقليميّة، السوريّة-الإيرانيّة تحديداً، إلى استعادة صورة "المقاومة" والاصطدام تالياً بالقرار 1701، أم هل يعمل على تعزيز صورته المستجدّة كجماعة طائفيّة ومذهبيّة تستكمل بالسياسة ما بدأته بالقتال؟ والحال أن الجواب سابق لأوانه، لكن المؤكّد أن الداخل اللبنانيّ استنفد قدراته، سلباً وإيجاباً، موالاةً ومعارضة، وبات القرار الفاعل إقليميّ الطابع والمصدر. وهذا حتماً سوف يتقرّر على إيقاع حركة "حزب الله" ويستجيب، بصورة أو أخرى، لها، خصوصاً حين تحضر في الخلفيّة حقيقة ما حصل في غزّة وأضافها إلى رقعة النفوذ الإيرانيّ-السوريّ. فكيف وأن "شطب" مقتدى الصدر من المعادلة العراقيّة لا يعني إطلاقاً "شطب" النفوذ الإيرانيّ وتحقّق نصر صافٍ للنفوذ الأميركيّ، لأن سائر القادة في حزبي "المجلس الأعلى" و"الدعوة" العراقيّين هم، أيضاً، إيرانيّو الهوى على نحو أو آخر!