حل الرئيس الأميركي من جديد ضيفاً على الشرق الأوسط، وذلك في زيارة حملت عناوين متباينة ومحطات ثلاث؛ أولاها بالطبع إسرائيل، ثم المملكة العربية السعودية، فجمهورية مصر العربية. وكبادرة طيبة لإسرائيل في الذكرى الستين لإنشائها، يزور جورج بوش القدس للمرة الثانية بعد مرور أربعة أشهر على زيارته السابقة في يناير الماضي. وشارك الرئيس الأميركي احتفالات تأسيس إسرائيل بخطاب أمام الكنيست بهذه المناسبة، وبدأ كلمته باللغة العبرية قائلاً "يوم استقلال سعيد لإسرائيل". وقال في كلمته "إن بلاده فخورة بالتحالف المتين مع إسرائيل"، ممتدحا ما وصفه بـ "النموذج الإسرائيلي للديمقراطية". وبدأ الرئيس الأميركي في كلمته تلك أمام الكنيست أكثر صهيونية من مستمعيه، وبدا عاطفياً في عباراته، حين قال "وإذا كان سكان إسرائيل سبعة ملايين، فإنكم عندما تواجهون الإرهاب والشر، سيكون عددكم ثلاثمائة وسبعة ملايين، لأن أميركا ستقف معكم"... صفق له أعضاء الكنيست 19 مرة، ووقفوا له 4 مرات، ومع هذا التصفيق المحموم لم يسمع الرئيس الأميركي صافرات الإنذار التي أطلقها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة، ولم يتمكن من رؤية 21915 بالونة سوداء، تمثل أيام النكبة الفلسطينية والعربية منذ قيام إسرائيل. لم يسمع أحزان الفلسطينيين، فلم يشتمل برنامج الزيارة ولا وقفة عابرة في الأراضي المحتلة، ولا نظرة من الوسيط الأميركي لمعاناة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. تحدث الرئيس الأميركي عن حلم مستقبلي لإسرائيل بعد ستين سنة كأعظم "الديمقراطيات" في العالم، وقال بالعبرية كذلك: "مسعدة لن تسقط ثانية" في إشارة توراتية لبقاء اليهود رغم عملية الانتحار الجماعي التي قاموا بها في قلعة مسعدة على الضفة الغربية من البحر الميت حين حاصرهم الرومان. وبعد خطابه أمام الكنيست، قام بزيارة "قلعة مسعدة" برفقة رئيس الوزراء الإسرائيلي يهود أولمرت. لم يشر بوش في كلمته أمام الكنيست الإسرائيلي إلا مرة واحدة إلى طموحات الفلسطينيين بإنشاء دولة فلسطينية، ولم يستغل هذه الفرصة لحث الإسرائيليين على تقديم تنازلات لدعم السلام، لكن التساؤل المنطقي هل هناك هدف لهذه الزيارة غير الاحتفال والرقص مع إسرائيل؟ من الواضح أن هدف الزيارة هو الاحتفال فقط لا غير. أما ما سبق وأُعلن بأن هدف الزيارة إعطاء دفعة لمفاوضات السلام في الشرق الأوسط وتشجيع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على التوصل إلى اتفاقية سلام، وهو ما كان قد تعهد بوش بتحقيقه قبل انتهاء ولايته، ما هو إلا كلام إنشائي؛ فالرئيس الأميركي ومن ورائه اليمين المتصهين و"المحافظون الجدد"، أظهروا على الدوام دعماً مطلقاً لإسرائيل، ويزايدون في كل مناسبة على إظهار دعمهم اللامحدود لها كحليف استراتيجي للأبد مشمولاً بالحماية الأميركية الكاملة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً حتى وصلت المساعدات الأميركية هذه السنة لأكثر من 2.4 مليار دولار. كانت السعودية هي المحطة الثانية في زيارة الرئيس الأميركي، وأعلن بأن الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية بصدد الاحتفال بمرور 75 عاماً علي العلاقات السعودية- الأميركية، لكن للزيارة بالطبع أهدافا تتعدى التذكير بعلاقات مصلحية طويلة بين الطرفين إلى الاتفاق على عدد من القضايا يتداخل فيها النفط مع الوضع في العراق إلى الموقف من إيران والتطورات الأخيرة في لبنان. وكان الرئيس الاميركي قد دعا السعودية في زيارته السابقة للمساعدة في التخفيف من حرارة أسعار النفط المرتفعة، والتي بدأت في تهديد الاقتصاد الأميركي، من خلال زيادة المعروض النفطي في الأسواق. وكانت المملكة العربية السعودية قد رفضت في السابق رفع الإنتاج حيث صرح عبدالله النعيمي وزير النفط السعودي "إن السعودية ستزيد إنتاجها إذا تطلبت ظروف السوق ذلك".لذا يبدو أن زيارة الرئيس الأميركي الحالية أثمرت حيث صرح وزير النفط السعودي أن السعودية قد زادت إنتاجها من النفط بمقدار 300 ألف برميل يومياً بدءاً من العاشر من الشهر الجاري. كما تحدثت الأخبار عن اتفاقات مبدئية على تعاون مشترك في مجال الطاقة النووية، وعدم انتشار الأسلحة النووية. حيث ذكر البيت البيض أن اتفاق البلدين حول إنشاء برنامج سعودي للطاقة النووية السلمية "يمهد الطريق لحصول السعودية على مصادر وقود آمنة ومعتمدة لمفاعلات الطاقة وتظهر القيادة السعودية كنموذج ايجابي لمنع الانتشار النووي في المنطقة". كما أعلن عن التوصل لعقد اتفاق لحماية المنشآت النفطية السعودية ضد الهجمات الإرهابية، في المقابل تتطلع السعودية للحصول على تأكيدات بالتزام الإدارة الأميركية بتمرير صفقة أسلحة أميركية في الكونجرس الذي يسيطر عليه "الديمقراطيون". في محطته الأخيرة، استقبل الرئيس الأميركي بالمظاهرات والاحتجاجات الصاخبة على مشاركته في احتفالات استقلال إسرائيل ونكبة العرب، وفي شرم الشيخ التقى الرئيس المصري حسني مبارك ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس وتنظر الولايات المتحدة إلى الدور المصري في ترتيب تهدئة بين الجانبين الإسرائيلي وحركة "حماس" في قطاع غزة المحاصر. وقد حاول الرئيس الأميركي طمأنة الفلسطينيين على التزامه بالتوصل إلى اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين بنهاية العام لكن هل يمكن التوصل إلى شكل من أشكال التسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين قبل نهاية عهد بوش؟ من التبسيط المخل الاعتقاد بتلك الإمكانية؛ فالرئيس الأميركي لا يملك عصا سحرية، وإنْ ملكها سيدعم بسحرها إسرائيل كما اتضح جلياً في سنوات رئاسته. وبعد خطابه العاطفي في الكنيست الإسرائيلي ظهر جلياً بأن عملية السلام في الشرق الأوسط انتهت تحت ولاية الرئيس بوش. ولن تجدي حملة العلاقات العامة وخطاب الرئيس الأميركي في مؤتمر دافوس المنعقد في شرم الشيخ كما وعد. إن قياس مقدار نجاح أو فشل الجولة التي وصفت بالأخيرة للرئيس الأميركي في الشرق الأوسط، يتحدد بالآمال المعقودة على هذه الزيارة، فالرئيس الأميركي وباحتفاله بمرور ستين عاماً على إنشاء إسرائيل أظهر تماهياً عجيباً مع إسرائيل دون أن يترك مسافة دبلوماسية تتيح له المناورة مع حلفائه العرب ومع شركاء السلام الفلسطينيين. لقد نُقل على لسان نائب الرئيس الأميركي، ديك تشيني، قوله بمناسبة الذكرى الستين لقيام إسرائيل"إن إسرائيل لم تحظ بصديق في البيت الأبيض أفضل من الرئيس الثالث والأربعين للولايات المتحدة". فدماء ثلاثمائة مليون أميركي ستحمي إسرائيل "وطن الشعب المختار".