بدأت أزمة الديمقراطية العربية عندما غُرست بناها في معظم الأقطار العربية، أثناء خضوعها للاستعمار الأوروبي. وبينما نضجت التجربة الأوروبية بفعل تطور داخلي، ونشأ معها مجتمع مدني مستقل عن الدولة، فرضت القوى الاستعمارية الدولة الحديثة على الأقطار العربية، بالقوة أحياناً. وعندما استقلت الأقطار العربية- يضيف د. الجابري- ورثت الحركة الوطنية بُنى الدولة الحديثة من المستعمر، فارتبط الاستقلال بحلول حكام وموظفين من أهل البلد مكان الحكام والموظفين الأجانب. أما العلاقات بين الدولة والمجتمع، فقد بقيت على حالها، مما جعل التجربة الديمقراطية في تلك الأقطار تجربة تمارسها الدولة على المجتمع لمراقبته، وليس وسيلة تمكن المجتمع من مراقبة الدولة. ويتبنى د. أحمد يوسف أحمد في دراسته للنظام العربي ضمن "ندوة المشروع الحضاري العربي"، هذه المقدمة، ولكن لا د. أحمد يوسف، ولا د. الجابري يشيران هنا إلى تجربة دولة كالهند، حيث نجحت فيها الديمقراطية الغربية، أو "ديمقراطية ويستمنستر"، التي نظر إليها أغلب المثقفين العرب باحتقار. مع نكسة 1967، وغياب القيادات الكاريزمية وارتفاع نسبة المتعلمين ومجموعة التحولات الاجتماعية والاقتصادية، تزايدت الضغوط في اتجاه تحول ديمقراطي في الحياة السياسية العربية. وقد ضاعف من تأثير هذه العوامل تزايد الاهتمام العالمي بالديمقراطية وحقوق الإنسان وكذلك ضغوط الدول المانحة للمعونات ومؤسسات التمويل الدولية من أجل التحول الديمقراطي. لكن د. أحمد يوسف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، يُبدي هنا شكوكه في هذا التحول، ويتبنى للأسف آراء د. برهان غليون الذي يعتبر أن الديمقراطية التي تتحدث عنها المؤسسات الدولية، هي جزء من استراتيجية الهيمنة والاحتواء العالمية! يقول د. غليون: "إن الغرب الديمقراطي شجع وسيشجع الديمقراطية في الأقطار التي لا تخضع لسيطرته، ومن أجل انتزاعها من نفوذ القوى الأخرى المنافسة أو المناوئة، ولكنه لن يشجع على التحول الديمقراطي، وليس من مصلحته أن يفعل ذلك في المناطق التي تخضع لنفوذه وسيطرته، فبقدر ما يعمل تشجيعه على الديمقراطية في المناطق الخارجة عن سيطرته على فتح ثغرة تساعده على الدخول إليها، يشكل الانفتاح الديمقراطي في الأقطار التي تخضع خضوعاً مطلقاً له إلى فتح ثغرة في نظام سيطرته نفسه يمكن أن تستغلها القوى المناوئة له في هذه الأقطار". ويخلص د. غليون من هذا التحليل إلى أن النظام العالمي الجديد لا يشكل عاملاً موضوعياً ملائماً للتحول الديمقراطي في الوطن العربي سواء لأنه سيؤدي إلى زوال نظم الحكم الراهنة، وظهور نظم جديدة من شأنها إعادة توزيع الموارد المحلية بما يقلص كثيراً من نفوذ وسيطرة القوى الأجنبية عليها، أو لأنه سيؤدي إلى زعزعة أسس المشروع الصهيوني في الوطن العربي. ونحن نؤجل مناقشة أفكار د. غليون إلى مقال قادم، وبخاصة بعض ما عرض منها في ندوة "أزمة الخليج"، أكتوبر 1991، وكتابات أخرى التي تكشف مدى "ضياعه الديمقراطي" إن صح التعبير! ونقول باختصار إن د. برهان غليون ينطلق هنا من مبدأ أن كل ما هو نافع للقوى الدولية، الولايات المتحدة والغرب عموماً، مضر بالعرب أو غير متطابق مع مصالحهم أو معرقل لمسيرتهم الذاتية الأصيلة، وأن هذه القوى والدول شر مطلق وتآمر متصل، ولا يمكن التعاون معها لأنها أنظمة تقوم سياساتها على الغدر والتسلط والنهب. ولا شك أن البناء "القومي والماركسي" للدكتور برهان غليون يعطيه حق التمسك بهذه الأفكار، ولكن ما البدائل التي يطرحها في بناء الديمقراطية العربية، وهو كما يُعرف، لا ينطلق في كتاباته وتحليلاته من الديمقراطية الليبرالية المعروفة؟ والواضح كما بيّنا، أن د. غليون فيما يتعلق بمشكلة الديمقراطية، لا ينطلق من "الواقع العربي" أو العولمة أو توجهات العصر، رغم أنه ربما يدرك حجم تخلف هذا الواقع، والتحدي الديني الأصولي الأشد خطورة على الديمقراطية العربية القادمة، من أية مخاطر عالمية أو أميركية-أوروبية على وجه التحديد. وننتقل مع د. أحمد يوسف أحمد إلى نقطة ثانية في حديثه عن الواقع العربي، ويذهب في تحليله لمجمل الصورة كما بدت عام 2001، إلى أن "استجابة النظام العربي لضغوط التحول الديمقراطي قد أفضت إلى عودة مقيدة للأحزاب السياسية في حوالى ثلثي البلدان العربية، وأُجريت في الغالبية العظمى من الدول الأربع عشرة ذات النظام الجمهوري انتخابات أو استفتاءات حول منصب رئيس الجمهورية، وكذلك انتخابات تشريعية، فضلاً عن أن ثلاثاً من الدول الوراثية لديها سلطات تشريعية منتخبة، بل يقدم بعضها تجارب ناضجة في هذا الخصوص بالمعيار العربي، وبقية هذه الدول الوراثية إما أن لديها درجة من درجات الانتخاب لمجالس تمثيلية آخذة في التطور بالتدريج أو على الأقل لديها مجالس شورى معينة". ولا يبدو في تقدير الباحث، أن تكون هذه التطورات قد مست جوهر النظم السياسية العربية، فالغالبية العظمى من الأحزاب السياسية العربية ترتبط بشخص مؤسسها، وتعاني انفصاماً واضحاً بين القواعد والقيادات، وغياباً واضحاً للديمقراطية في علاقاتها الداخلية، وكذلك التشرذم والانشقاق، بما يعني أن الأزمة ليست مرتبطة بنخبة السلطة فقط. ومن ناحية أخرى، فإن أية انتخابات أو استفتاءات رُشّح فيها الرئيس الموجود في السلطة، لم تفض حتى الآن إلى خروجه منها، وثمة قيود دستورية واضحة على قدرة السلطات التشريعية في الوطن العربي على سحب الثقة من مجالس الوزراء القائمة. ويُشخص الباحثون صعوبات تعيق الديمقراطية في العالم العربي، الأولى ثقافية، حيث يصف "السيد يسين" الثقافة العربية بأنها "ثقافة استبداد"، أساسها استبداد الحكام وخضوع المحكومين. أما د. الجابري، فيرى "أن بُنية الخطاب النهضوي العربي الحديث والمعاصر تقدم من داخلها ما يمنع صاحبها من الكلام عن الديمقراطية كنظام للحكم ونظام في المجتمع.. إن النظام الأمثل للحكم في التصور العربي-الإسلامي هو النظام الذي يقيمه المستبد العادل". والثانية تتعلق بدور المثقفين، فهم متهمون على نطاق واسع بأنهم غائبون عن ساحة الدعوة من أجل التحول الديمقراطي. إن المثقفين في هذه المنطقة، يقول د. غسان سلامة، "منشغلون غالباً بشيء آخر غير إقامة الديمقراطية". بل كثيراً ما نشاهد لجوء مثقفين معارضين في السابق إلى كنف الدولة. أما الصعوبة الثالثة، فترتبط بحركات سياسية معارضة غير أنها في ذات الوقت معادية للديمقراطية، وتشير أصابع الاتهام في هذا الصدد إلى الحركات الإسلامية أو على الأقل إلى فريق منها. وقد يكون العالم العربي بصدد حلقة مفرغة في هذا الخصوص، لأن الأنظمة والحكومات تستخدم الجماعات الإسلامية في التخويف من اتخاذ مزيد من الخطوات باتجاه التحول الديمقراطي، مما يصب في طاحونة الأوضاع القائمة ويدعم الحجج المعادية للديمقراطية، وبخاصة أن الفصائل الإسلامية التي وصلت إلى السلطة قد قدمت أدلة كافية على صحة الاتهامات الموجهة لها. وتتعلق الصعوبة الرابعة بالدول العربية المعتمدة على الاقتصاد النفطي وريع البترول، حيث يشترى الرضا السياسي بالريع النفطي، ومن ثم، يقول الباحث، "اكتساب شرعية سياسية بغير الطريق الديمقراطي". ويقول باحث إيطالي إن "الدولة التي تحصل على ريع يتأتى من الخارج كريع النفط قد تشهد صراعات على السلطة، وقد تشهد انقسامات فئوية ولكن من غير المحتمل أن تشهد مطالبة شعبية بالديمقراطية". ولكن د. يوسف أحمد يشكك في هذا التحليل، فالثروة النفطية تؤدي إلى توسع في التعليم وظهور فئات اجتماعية جديدة أكثر إدراكاً لحقوقها السياسية وأشد تطلعاً إلى المشاركة في الحكم، ولعل "الحالة الكويتية" تقدم الدليل في هذا المجال. خامس الصعوبات، تورط النظام العربي، على نحو استثنائي بعدد كبير من النزاعات المسلحة بين الدول (الحرب العربية الإسرائيلية وحربا الخليج) وكذلك النزاعات الأهلية (في لبنان والسودان والعراق واليمن والصومال على الأقل)، الأمر الذي ييسر اتخاذ الإجراءات الاستثنائية ذات الطابع غير الديمقراطي، حيث يمكن بسهولة اتهام المعارضة بممارسة نشاط هدام. ولكن ينبغي أن يؤخذ بالاعتبار أن بعض هذه الحروب والنزاعات تؤدي إلى الانفتاح السياسي مثل نكسة 1967! أما سادس الصعوبات، فهي في رأي الباحث، "الدور المعوق للتحول الديمقراطي من قبل قوى عالمية بعينها". وهكذا نعود مرة أخرى لآراء د. برهان غليون!