زرتُ بيروت قبل سنوات قليلة، وكان ذلك قبيل مقتل الحريري بعدة شهور، وأذكر أنني كنتُ أجلس بجانب سائق التاكسي وأتجاذب معه أطراف الحديث، فقلتُ له: إن بلدكم جميل وجوُّه رائع، وأهله مضيافون، إلا أن تفشي داء الطائفية فيه، يذكِّرني بجهاز كمبيوتر محمول قد ضربه (فيروس) قوي لا يستطيع صاحبه إلغاءه من ذاكرة ذلك الكمبيوتر كي يعود للعمل بشكل طبيعي. التفت إليَّ السائق وقال بتهكم،: صحيح أن الطائفية مرض يفت في عضد بلدنا، ولكن ذلك فقط عند الأزمات، أما في الأيام الأخرى فإن الطائفية تساعدنا حيث نصوِّت لبعض الشخصيات السياسية لنكسب بعض الأموال منها، ولو كنا غير مقتنعين بجدارتها وكفاءتها السياسية! مضيتُ في طريقي يومها، وحين احتدمت الأزمة اللبنانية مجدداً في الأسبوع الماضي، تذكرت ما قاله السائق من أن الطائفية تطل بوجهها القبيح حين تتأزم الأمور بين أبناء الشعب الواحد. وتذكرت ما قاله حين تحدث عن إدلائه بصوته مقابل حفنة من المال. فلو كان هو وأمثاله يصوِّتون لصالح الرجل الكفء في المنصب السياسي، لما انحدرت الأوضاع إلى ما وصلت إليه في الوقت الحاضر. إن الأزمة في لبنان أزمة طائفية، وهي كذلك أزمة نخبة سياسية غير قادرة، وربما غير آبهة بقيادة سفينة بلادها إلى بر الأمان. والزعيم السياسي في لبنان في الغالب ورث منصب الزعامة من أبيه وأسرته المهيمنة على مقاليد السلطة منذ فترة زمنية، وهو لا يحكم باسم الوطن والمواطن، ولكنه يهتم بشكل أساسي بالمجموع السياسي الممثل في منطقته الانتخابية، وإن زاد على ذلك فإن هاجسه الرئيس هو الطائفة التي ينتمي إليها. وهذا الانتماء الطائفي يتشكل تراكمياً لدى الفرد اللبناني الذي، كما يقول علماء السياسة العرب يرضع الطائفية من ثدي أمه، ليلتحق بالروضة المُشكَّلة على أساس طائفي، ويظل يدرس في مدارس تنتمي إلى الطائفة الواحدة في مراحل تعليمية متصلة حتى يصل إلى مراحله الجامعية. ومثل هذه القيم التي تتشكل في مرحلة مبكرة من عمر الفرد تظل ملازمة له طوال حياته. وهي قيم غير وطنية، بل قيم إثنية وطائفية تحصر ولاء الفرد في حدود ضيقة. وحتى الوظائف الحكومية والعامة، فالأفراد لا يحصلون عليها بجدارة مستحقة بل كذلك عبر محاصصة وظيفية على جميع المستويات. وبهذا فإن خريج الكيمياء يمكن أن يلتحق بالسلك الدبلوماسي، شريطة أن تكون الوظيفة المتاحة محصورة في فئة، أو طائفة دون أخرى. والأزمة اللبنانية الحالية بدأت تتشكل منذ أكثر من عام، حين علق عدد من الوزراء مشاركتهم في حكومة السنيورة، وطالبوا بشروط معينة لعودتهم إليها من أهمها ضرورة حصول جميع قرارات الحكومة على إجماع كامل من الأعضاء، وليس على أغلبية مطلقة. ثم جاءت مشكلة فراغ الرئاسة، وفشل الجسد السياسي اللبناني في التوافق على مسمى شخصية سياسية تحظى بإجماع. واستمرت الحكومة اللبنانية دون رئيس جمهورية منتخب منذ نوفمبر الماضي على رغم وجود شبه توافق على تسمية اللواء ميشيل سليمان كرئيس مستقبلي للبنان. ثم تزايدت المطالب من أجل إجراء انتخابات نيابية جديدة، وتعديل قانون الانتخاب في لبنان. وقد تزامن هذا الشلل السياسي مع تراجع اقتصادي مخيف في بلاد الأرز نتيجة تخوف السياح من زيارة هذا البلد الذي يعيش بصفة رئيسية على السياحة والخدمات. كما أن التوتر في العلاقات بين سوريا ولبنان قد أثر، بعض الأحيان، على مقدرة المزارعين اللبنانيين على إيصال منتجاتهم الزراعية بشكل سريع إلى أسواقها التقليدية. ويتساءل المرء: ترى ما الذي يحفز الصراع بين المعارضة والأغلبية في لبنان؟ هذا السؤال المهم ينبغي التصدي له من جانبين، الجانب الأول هو تخوف "حزب الله" من تفكيك سلاحه ونزعه كما جاء في قرار مجلس الأمن رقم 1559، الذي صدر قبيل الحرب الإسرائيلية ضد لبنان. أما الدافع الثاني فهو رغبة المعارضة في إلغاء اتفاق الطائف لعام 1989 الذي أنهى الحرب الأهلية الثانية، وإعادة تقييم التوازنات السياسية على أساس النموذج العراقي. إذن فالمسألة أعمق من انتخاب رئيس جديد للبلاد، وأعمق من إعادة كتابة قانون الانتخابات اللبنانية، وإعادة رسم المناطق الانتخابية. فالهدف أعظم ويتمثل في إعادة توزيع السلطة، وإنهاء التقسيم القديم الذي أقر عام 1943، وتوزعت فيه المناصب السياسية في البلاد على أساس طائفي. وفي سبيل ذلك يمكن أن تنتهك بيروت بقوة السلاح، وأن يتقاتل التياران السياسيان المتنافسان في طرابلس وغيرها من المدن اللبنانية. وأمام ذلك فإن الجيش المشلول الذي كان آخر معقل موحد للدولة اللبنانية الواحدة ومؤسساتها لا يستطيع أن يتحرك. ويتساءل المراقبون: لماذا لا يتحرك الجيش المجهز بمعدات ومدرعات ربما تفوق تسلح الفئات والميليشيات اللبنانية. ويأتي الجواب بأن المؤسسة العسكرية نفسها قد بنيت على أساس طائفي. وأن مكمن تخوف قادتها العسكريين هو من تفكك صفوف الجيش، مثلما حدث مع الجيش العراقي حينما حاول مقاتلة قوات الصدر في البصرة. إن الخطر الطائفي تنين هائل يكاد يعصف اليوم بلبنان مثلما عصف بالعراق. وهذا التنين الهائل الذي يحطم بعض المجتمعات العربية ويوقف تقدمها الحضاري لا يمثل أي حلّ للأزمات الحاضرة، بل هو أفعى تأكل الحاضر ولا تخلق المستقبل. وإن ترك هذا الأفعوان يتمدد وينخر في النسيج الاجتماعي والسياسي في الدول العربية، فإن مستقبل هذه الدول، مثلما هو مستقبل لبنان، سيبقى في خطر، إذا لم ينتبه المسؤولون عنه قبل فوات الأوان.