أثار تصريح السيناتورة هيلاري كلينتون، والذي قالت فيه إن الولايات المتحدة الأميركية سوف "تمحو" إيران من على ظهر الأرض إذا ما فكرت في مهاجمة إسرائيل بالأسلحة النووية، كماً هائلاً من التعليقات في جهات مختلفة. ومن باب الإنصاف للسيناتورة هيلاري، يتعين علينا أن نذكر أيضاً، أنها قد ألمحت ضمناً إلى أن الولايات المتحدة، يجب أن تمد مظلتها النووية لتشمل حلفاءها العرب كذلك، إذا ما تعرضوا لهجوم من إيران. وفي الحقيقة، فإن التصريح، والتعليقات التي أثارها، قد دفعت البعض لطرح سؤال مثير للاهتمام في الحقيقة، ويتعلق بالردع النووي الذي ظل يمثل محوراً للاستراتيجية العسكرية الكونية، منذ أن دخلت الأسلحة "الثيرمو- نووية" مخازن القوى الكبرى في عقد الخمسينيات من القرن الماضي. ومن المعروف أن جوهر استراتيجية الردع النووي، مبني على افتراض مؤداه، أنه إذا ما كان لدى دولة نووية ما، القدرة على النجاة من ضربة نووية أولية استباقية، موجهة من دولة ما عدوة لها، فإن ذلك يعني أن مثل تلك الدولة ستكون قادرة على شن ضربة انتقامية ضد هذا العدو، تلحق به قدراً كبيراً من الدمار "لا قبل له بتحمله". ولكي تتمكن هذه الدولة من توجيه ضربة كهذه، فإنها يجب أن تمتلك قوة انتقامية كافية، تتمتع بدرجة كبيرة من المنعة والصلابة، التي تضمن لها أن جزءاً كبيراً من معداتها ومواردها، سوف ينجو من التدمير في الضربة الأولى. وخلال فترة الحرب الباردة، والتي استمرت من ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وحتى سقوط جدار برلين في أواخر عقد الثمانينيات من القرن الماضي، تمكنت ثلاث دول فقط هي بريطانيا وفرنسا والصين من تطوير قوات نووية صغيرة، ذات حجم يسمح لها -كما كان يعتقد- بتحمل الصدمة الناجمة عن هجوم نووي يشنه عليها الاتحاد السوفييتي (أو الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة معاً في حالة الصين)، ويتيح لها في ذات الوقت شن ضربة مضادة تلحق دماراً كافياً بمراكز العدو السكانية والصناعية، أو تكفي لردع هذا العدو عن مهاجمتها من الأساس. أما فيما يتعلق بالشرق الأوسط، فيعتقد أن إسرائيل تمتلك قدرة نووية انتقامية كبيرة، تعتمد على منظومات لإطلاق وحمل الصواريخ إلى أهدافها، وعلى أسطول من الطائرات بعيدة المدى والغواصات، بحيث يمكن القول إنه إذا ما تمكنت إيران من تطوير برنامج للأسلحة النووية، فإنها ستكون في حاجة إلى قوة هائلة حقاً، حتى تتمكن من تهديد أسلحة إسرائيل النووية من خلال أي ضربة استباقية قد تفكر في توجيهها لها. ليس هناك شك في أن استخدام إيران للسلاح النووي ضد مراكز سكانية إسرائيلية، سوف يؤدي إلى نتائج كارثية للمنطقة بأسرها، سواء لليهود أو لملايين المسلمين في أقطار الشرق الأوسط. لكن يجب أيضاً أن نعرف أن هذا السيناريو، لو وجد طريقه للتطبيق فعلاً، فإن مدن إيران جميعها، وكذلك جميع مكونات صناعتها النفطية، سوف تُمحى من على الخريطة، بواسطة الرد الإسرائيلي. من الناحية الظاهرية، قد تكون مثل هذه الاحتمالات المتطرفة عصية على التخيل. فهناك أسئلة لا بد وأن تدور في ذهن كل من يفكر في مثل تلك الاحتمالات منها: هل يمكن لأي زعيم إيراني أن يفكر في مثل تلك الضربة أساساً؟ لقد كانت هناك إيحاءات مفادها أن الرئيس محمود أحمدي نجاد، وبعض مساعديه الأقربين، ينزعون إلى استخدام تلك الأسلحة، لأنهم يعتقدون أنها جزء من السيناريوهات التي تتعلق بالمعركة الدموية التي ستندلع بين المؤمنين الحقيقيين وبين الكفار والتي ستكون -كما يعتقدون- مقدمة لعودة المهدي المنتظر وحُكم العالم. والبعض يلمحون إلى أن هذا الجانب تحديداً هو السبب في أن إيران دون سائر القوى النووية الأخرى، لا تخضع لمنطق الردع أو أن هذا المنطق غير قابل للتطبيق بالنسبة لها. وهذا غير صحيح؛ إذ الحقيقة هي أن مجلس الأمن القومي الإيراني، وليس الرئيس أحمدي نجاد، هو الذي يقرر كيف سيتم استخدام الأسلحة النووية ومتى سيتم استخدامها، كما أنه هو الذي يمتلك مفتاح السيطرة على الترسانة النووية لإيران وليس رئيس البلاد. وتبين السجلات التاريخية أن المجلس القومي الإيراني، قد أظهر دائماً قدراً كبيراً من الحرص والبراجماتية، عندما كان الأمر يتعلق باستفزاز الجيران. ومع ذلك فإن هذا السجل، لم يحل بين الإيرانيين وبين التدخل في العراق ولبنان والساحة الفلسطينية، بالإضافة إلى أفغانستان. ليس هذا فحسب، بل إن ثمة من يقول إن هناك جماعات من الحرس الثوري الإيراني، قد تكون لديها الرغبة في استفزاز الولايات المتحدة، والدخول في مزيد من المعارك معها. لكن تلك المناوشات، تختلف بالطبع عن المحاولة المقصودة لإطلاق سلاح نووي -لا يمتلكه الإيرانيون حالياً- كما أن طهران تدرك تماماً أنه بصرف النظر عما ستفعله الولايات المتحدة، فإن إسرائيل ستنتقم حتماً منها إذا ما أقدمت على ذلك. وإذا ما شرعت إيران في برنامج للأسلحة النووية، فإنه يمكننا أيضاً أن نثق بأن الدول العربية الأخرى، بما في ذلك السعودية ومصر، سوف تحذو حذوها. وفي هذه الحالة، فإن الشرق الأوسط سيصبح أخطر كثيراً مما هو عليه الآن، كما سيكون في ذات الوقت ساحة، تظل فيها أساسيات استراتيجية الردع قابلة للتطبيق.