يقدم لنا "ستيفن وول" الذي شغل في السابق منصب سفير بريطانيا لدى الاتحاد الأوروبي، ومستشار "توني بلير" للشؤون الأوروبية، في كتابه الجديد "غريب في أوروبا: بريطانيا والاتحاد الأوروبي... من تاتشر إلى بلير"، سرداً أميناً لعلاقة بريطانيا مع القارة الأوروبية، وكذلك بعض التفاصيل الخفية عن المفاوضات التي دارت بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، كما يذكّر القراء بمعارك شغلت الأذهان في وقتها ثم توارت في النسيان. ويقول إنه رغم ما أبدته الحكومات البريطانية المتعاقبة من مظاهر الفخر بما اعتبرته انتصارات مؤزرة حققتها في المعارك التي خاضتها مع "بروكسل"، فإن الحقيقة هي أن تلك الحكومات، قد خسرت المعركة الأهم وهي تلك الخاصة بجعل بريطانيا دولة قائدة في معركة بناء أوروبا. ويرى المؤلف أن المعارك العديدة التي خاضتها بريطانيا مع أوروبا، كانت حتمية وهو ما يرجع إلى التناقضات ونواحي الاختلاف التي تفصل بين الجزيرة البريطانية والبر الأوروبي. فذلك الموقع كان يدفعها غالباً لتبني سياسات انعزالية، كما أن طبيعتها كدولة تجارية كانت تدفعها هي الأخرى إما عبر البحار لآسيا وأفريقيا، أو عبر الأطلسي لأميركا، إذ كانت ترى أنها تخوض منافسة تجارية حامية مع دول القارة لاسيما الكبرى منها على مناطق النفوذ والأسواق. وهو يرى أن هذه الحقيقة تحديداً هي ما دفع الرئيس الفرنسي "شارل ديجول" في ستينيات القرن الماضي إلى رفض الطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء البريطاني حينذ "هارولد ماكميلان" للانضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة، على أساس أن علاقات بريطانيا التجارية مع الدول البعيدة، أكثر من ارتباطها بدول القارة، وأن طبيعتها، وجغرافيتها، وتركيبتها، وذهنيتها، ونفسيتها، تختلف غاية الاختلاف عن باقي دول وشعوب القارة، وأن انضمامها للسوق الأوروبية المشتركة، سيحول تلك السوق إلى منظمة شبه أطلسية. يتحدث المؤلف أيضاً عن عقبة كانت تعوق اندماج بريطانيا في السوق الأوروبية المشتركة ثم بعد ذلك في الاتحاد الأوروبي. هذه العقبة هي التقارب الفرنسي الألماني الذي يصفه المؤلف بأنه كان تقارباً سياسياً واقتصادياً نشأ عندما كان المنتظم الأوروبي مجرد اتحاد للصلب والفحم بين الدولتين. وعندما تطورت السوق الأوروبية المشتركة إلى منظمة سياسية هي الاتحاد الأوروبي، ارتأت بريطانيا عندئذ أنه لم يعد هناك مانع من انضمامها للاتحاد. بيد أن التقارب الألماني الفرنسي الوثيق، جعل تاتشر ومن بعدها بلير يشعران بالعزلة، ودفعهما دفعاً لمقاومة أي قرارات أو سياسات تمس سيادتها القومية- كاستراتيجية دفاعية على الأقل- ومنها على سبيل مثلاً الانضمام إلى العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) التي بدأ العمل بها في يناير 2001، وكذلك فكرة وضع دستور للاتحاد الأوروبي، وفكرة أن يكون للاتحاد رئيس، وحكومة مستقلة وسياسة دولية مشتركة. يقول المؤلف إنه عندما ترك وظيفته كمستشار لبلير، فإن بريطانيا - في نظره- كانت أكثر ارتباكاً وتردداً بشأن طبيعة علاقتها مع الاتحاد الأوروبي عما كانت عليه من قبل، بدليل أن بلير ظل يشكو دائماً من الهجوم الذي كانت تشنه صحف "التابلويد" الأوروبية على بريطانيا وعليه شخصياً. يقول الكاتب إنه قد رافق بلير في زيارات أوروبية، وأن رئيس الوزراء البريطاني كان يلقي في تلك الدول خطابات حماسية حول الاتحاد الأوروبي، وضرورة اندماج بريطانيا فيه، لكنه لم يكن يجرؤ على الإدلاء بمثل تلك الخطب في بريطانيا. كما أنه لم يحول عواطفه التي كان يقول إنها حقيقية، إلى سياسات فعلية لتعزيز علاقات بلاده الأوروبية. ويكشف المؤلف عن أن حماس بلير لأوروبا كان يقتصر عليه شخصياً أما وزراؤه ونوابه فقد انخرط كثيرون منهم في شن هجمات لاذعة، وأحياناً بذيئة، على الاتحاد. وهو يرى أنه رغم اهتمام بلير بالتكامل مع أوروبا، وحرصه على وجود حقيبة للشؤون الأوروبية، وتشكيله لجنة مكونة من وزراء بريطانيين لجعل نظام العمل في وزاراتهم أكثر قربا من النمط الأوروبي... إلا أنه سمح للوزراء بمواصلة هجومهم، ثم سمح لوزير الخارجية "جاك استرو" بحل هذه اللجنة فيما بعد، كما سمح للصحف البريطانية وسائر وسائل الإعلام بتوجيه الانتقادات لأوروبا والاتحاد الأوروبي. والمشكلة بالنسبة لبلير -في نظر المؤلف- هي أنه استعان في سنوات حكمه بمجموعة من الوزراء الذين قضوا سنوات التكوين في إلقاء الخطب المضادة لأوروبا في البرلمان، والذين كان من الصعب بعد ذلك تغير ذهنيتهم ونظرتهم لتلك القارة عندما تبوأوا مراكز المسؤولية. هذا الكتاب يندرج ضمن سلسلة الكتب التي ألفها أعضاء في الحكومة البريطانية خلال حقبتي "المحافظين" و"العمال"، أو ألفها مستشارون وموظفون كبار كانوا مقربين من صناع القرار، والتي يكشف كل واحد منها جانباً ربما لم يكن معروفاً للآخرين، وهو ما يجعل مثل تلك الكتب مصدراً لاهتمام الكثيرين. بيد أن الشيء الذي يؤخذ على المؤلف هو أنه لم يقم بتحديث معلوماته، ولم يقم بمد نطاق بحثه إلى اللحظة الحالية، ولم يجب لنا بالتالي عن أسئلة من مثل: هل يمكن لبراون أن يحدث فارقا في سياسات بريطانيا الأوروبية مقارنة بسلفه بلير؟ وفي رأي المؤلف أن بريطانيا كي تقود أوروبا، فإنها يجب أن تؤمن بها أولاً، وأن تحب الأوروبيين فعلاً لا قولاً، لأن ذلك هو الذي سيمكنها في نهاية المطاف من المشاركة الفعالة في تشكيل ملامح أصبحت بريطانيا جزءاً منها. سعيد كامل الكتاب: غريب في أوروبا: بريطانيا والاتحاد الأوروبي من تاتشر إلى بلير المؤلف: ستيفن وول الناشر: أوكسفورد يونيفرستي برس تاريخ النشر: 2008