لم تتعود عواصم دول مجلس التعاون على المواجهات مع رجال الأمن؛ وإن كان بعضها عرف مواجهات في الماضي أيام الإنجليز، في الخمسينيات. ولئن كانت لبعض دول المنطقة أسباب واضحة للمواجهة؛ فإن طريق الديمقراطية في الكويت لا يمكن أن يمر عبر المواجهات مع رجال الأمن! كما حدث في الدائرة الخامسة؛ حيث فوجئ رجال الأمن -الذين يطبقون قرار إزالة المواقع الانتخابية والديوانيات المخالفة للقانون- بتدفق حوالي 400 شخص من قبيلة معروفة -بينهم أطفال- وقاموا بقذف رجال الأمن بالحجارة. ولقد بدأ الأمر بتطويق رجال الأمن للمقر الفرعي إلا أن الأمر تطور إلى مصادمات عنيفة -حسب جريدة "أوان" الكويتية- مما اضطر رجال الأمن لاستخدام قنابل مسيلة للدموع وطلقات بلاستيكية لتفريق جموع القبيلة! وللأسف تدخّل أحد المرشحين وقدم الشكر للقبيلة التي "قاومت" رجال الأمن بقوله: "ما قصَّرْتُوا كفيتوا ووفيتوا يالرَّبع"؟! وعلى رغم انسحاب قوات الأمن إلا أن أفراد القبيلة واصلوا تصفياتهم الفرعية، غير مكترثين بالإجراءات الأمنية. وقالت مصادر صحافية إن عدد المشاركين في الانتخابات الفرعية وصل إلى 11 ألف ناخب عبر 35 ديوانية موزعة على عدة مناطق، وبعضها خارج الدائرة الخامسة. (انتهى) نحن في الواقع -وقد اتخذنا العملية الديمقراطية في الكويت مثالاً ونبراساً لتطلعاتنا بتحقق ولو شكل جزئي للديمقراطية في المنطقة- ندرس حالياً ما آلت إليه تلك العملية، ولواقع حال الصبية الذين بدل أن يذهبوا إلى المدارس ويتعلموا، نجدهم يقذفون رجال الأمن -من إخوانهم وآبائهم- بالحجارة، وهو تعبير بعيد عن أصول الديمقراطية والتصرف الإنساني الراقي للمطالبة بالحقوق! وعلى رغم وضوح بيان وزارة الداخلية والرأي العام الكويتي على أن "الفرعيات" تخلق تداعيات غير حميدة في العملية الديمقراطية، وهي "التفاف" ممقوت لا يناسب جوهر حياة الكويتيين الذين اعتادوا الانتخابات النزيهة، ولا يجوز أن يعبث أي كائن بالقانون كي يحصل على كرسي في البرلمان، ذلك أن دخوله البرلمان -عبر مخالفة القانون- يعتبر التفافاً على ثوابت مهنية ووطنية. كونه لا يبحث عن مصالح الكويت، قدر اهتمامه بمصالح القبيلة وأبنائها. وهذا توجه يساعد على تقويض كل المكاسب التي حققتها الكويت -على طريق الديمقراطية- ويروّج للفكر التعصبي وخلق التمايز وعدم الانسجام داخل المجتمع الكويتي. وطالما أن وقت الأحزاب لم يحن بعد، فليس من المعقول القفز على المكتسبات المجتمعية التي توافق عليها المجتمع الكويتي. ودوماً عُرفَ التعصب والتنكر لفكر المجتمع -الذي ترعاه الدولة ضمن الإطار القانوني- بأنه نوع من شريعة الغاب التي لا يتفق معها العالم المتحضر، ولذلك فإن قام أصحاب القانون -ضمن الإطار الوطني- بخرق ذاك القانون فإنهم يضعون الدولة على كف عفريت، ويفتحون عليهم "تسوناميات" لا يمكن مواجهتها! إن الاتجاه نحو العصبية الممقوتة اتجاه غير عاقل، وإن التنكر لمجتمع الكويت المدني القائم على احترام الدستور، هو إشعال لحرائق لن تفيد الكويت ولا الكويتيين. كما أن روح التعصب لا تتوافق مع الديمقراطية التي تساوي بين الناس ولا تحفل بانتماءاتهم وأسمائهم وألوانهم! فكيف يريد الإخوة المترشحون أن يدخلوا البرلمان وهم جاءوا عبر مخالفة القانون، يحملون "همَّ" القبيلة ونزعاتها، وكيف لهم أن يلبسوا عباءة الديمقراطية، وقد وصلوا عبر فرعيات غير مقرّة في العرف الديمقراطي الكويتي؟! إن الدستور الذي ينص على سواسية المواطنين، وأن المواطنين -أمام القانون- أشخاص يلتزمون بالواجبات كما يحصلون على الحقوق! وهم يؤمنون بكفاءة الشخص لا اسمه أو قبيلته! وإذا كانت القبائل التي واجهت رجال الأمن قد ارتضت الدستور فلماذا تقذف به عرض الحائط؟! بل لماذا لا يكون الحوار مع الآخر هو سبيلها، لا تحطيم سيارات الشرطة التي هي من أموال الشعب، أو ترويع رجال الأمن الذين هم أبناء للوطن؟! بل إن قرار منع أو حظر "الفرعيات" قد تم تعميمه على كل ممثلي الشعب الكويتي بكل عوائلهم وقبائلهم خلال عمل مجلس الأمة عام 1998 حيث نال القانون أغلبية الأصوات! ثم كيف يقابل المرشحون -الفائزون عبر الفرعيات- نظراءهم تحت قبة البرلمان -حيث إن تلك القبيلة قد أتمت فرعياتها ورشحت مرشحيها- كما أعلن شيخ القبيلة! نقول كيف سيقابل المرشحون الديمقراطية تحت قبة البرلمان وهم يدركون أنهم جاءوا عبر خرق القانون؟! نحن نعتقد أن الشعب الكويتي عائلة واحدة، وكل الأمور يجب أن تسوَّى داخل هذه العائلة عبر الحوار، حتى وإن كان قرار حظر الفرعيات لا ينال موافقة القبائل الكبيرة التي اعترضت عليه، ولكن يجب قبل ذلك أن يتم أخذ رأي الشعب الكويتي عليه في هذا الأمر -عبر مجلس الأمة- وإن حاز على الأغلبية فلكل حادثة حديث، وقد تكون هنالك قوانين (لا نعرفها) تحرم العودة إلى تعديل قانون صدر بموافقة مجلس الأمة! إن العقلاء من أهل الكويت يدعون إلى الوحدة الوطنية وعدم الزجِّ بالبلاد في أتون "عصبيات" عفا عليها الزمن، وإن حوار العقل هو الأفضل للخروج من هذه الأزمة! وإذا كان هنالك من مقترح فليعرض على مجلس الأمة القادم، بعيداً عن رشق الشرطة بالحجارة وتعويد الطلبة والصغار على أعمال شغب غير مستحبة، ولم يتعود عليها المجتمع الكويتي! إن العصبيات القبلية نكوص عن دولة المواطَنة! وهذا قد يؤدي إلى سلب حقوق المواطنة، ولربما حدا بالحكومة -إذا استفحل الأمر- إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة، والدخول في فوضى عارمة لن تخدم الكويت. وهذا الاتجاه قد يفجّر براكين خامدة في دول خليجية أخرى! نحن نتمنى أن تسود الحكمة الفرقاء المختلفين أو المخالفين للقانون، في دولة يحكمها دستور ينظم العلاقة بين الشعب والدولة، وأن يتراجع المخالفون عن التصرفات العصبية إلى لغة الحوار وعدم شحن أتباعهم بتحدي الحكومة! ما أجمل الانتخابات الأميركية والفرنسية والبريطانية! بل ما أجمل الانتخابات الهندية، الكل يمشي حسب الدستور، يوقع بطاقته ويضعها في الصندوق ويخرج من خلف الستار "حُراً" فيما اختاره! هل من حقنا -في الخليج- أن نحلم بديمقراطية كذلك؟! وهل يتحقق ذاك الحلم؟!