تُظهر البيانات الصادرة عن "مصرف الإمارات المركزي" استفحال مشكلة القروض ووصولها إلى مستويات خطيرة تستلزم الانتقال بصورة عاجلة من مرحلة التشخيص والتحذير إلى مرحلة اتخاذ إجراءات وخطوات عملية مباشرة، للتعامل مع هذه الظاهرة، والحدّ من آثارها السلبية على الاقتصاد الوطني والنسيج المجتمعي والبناء الأسري في الدولة. وتوضح بيانات "المصرف المركزي" الإماراتي، التي نشرت مؤخراً ارتفاع قيمة القروض الاستهلاكية بنسبة 47% في العام المنتهي في مارس الماضي، حيث سجّلت القروض للأفراد 48.41 مليار درهم مقارنة بنحو 33 مليار درهم قبل عام مضى، كما أظهرت البيانات أن القروض الاستهلاكية القائمة ارتفعت بنسبة 11.4% في الربع الأول من عام 2008 بزيادة 4.95 مليار درهم خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي. ويأتي هذا الأمر امتداداً لنسق مستمر منذ أعوام، وازدادت حدّته في السنوات الأخيرة في ظلّ الطفرة الاقتصادية التي تشهدها البلاد، حيث ازدادت قيمة الإقراض الاستهلاكي إلى المثلين في السنوات الأربع الماضية، وفي العام المنصرم ارتفع حجم الائتمان الممنوح للقروض الشخصية لأغراض استهلاكية إلى 43.46 مليار درهم، وهو أعلى مستوى للقروض الاستهلاكية منذ أكثر من ربع قرن، وقد استمر هذا الوضع في التفاقم هذا العام وفق الأرقام التي أشير إليها. ولعلّ اللافت للنظر هو طبيعة هذه القروض التي تركّز على الإنفاق الاستهلاكي عوضاً عن الإنفاق الاستثماري أو الإنتاجي للأفراد، وهي قضية تتصل بعوامل متعدّدة، من ضمنها ضعف الوعي الاستهلاكي لدى شريحة كبيرة من السكان، ما استتبع اتجاههم للإنفاق البذخي وتغيير الأنماط الاستهلاكية، يشجّعهم على ذلك الزيادة الأخيرة في الرواتب، والتي أوجدت لدى بعضهم نزعات للإنفاق بإسراف تفوق مقدراتهم المالية المتاحة آنياً، معتمدين في ذلك على الاستدانة من البنوك ومعوّلين على إمكانية سداد أقساط القروض بالاقتطاع من رواتبهم، غير أنهم يغالون في الاقتراض نتيجة سوء التقدير، وجرّاء تقاعسهم في تنظيم شؤونهم المالية وترتيب أولوياتهم الإنفاقية وتبويب احتياجاتهم المعيشية بما يتناسب ويتوازي مع الموارد المالية لهم. كما أن تسهيلات الدفع الاستهلاكي والقروض الاستهلاكية والبيع بالتقسيط تسهم جميعاً في إيجاد تشوّهات في هيكل الطلب الاستهلاكي، والتحاق أعداد متزايدة من متوسطي ومحدودي الدخل بالشريحة التي تطلب السلع الكمالية والترفيهية. ويُشار كذلك إلى أن طبيعة اقتصاد الإمارات تجعل مثل هذه المشكلة تكتسب أبعاداً اقتصادية أكثر اتساعاً، فبينما تنعكس زيادة القروض في الدول التي تعتمد اقتصاداتها على التصنيع والإنتاج بشكل إيجابي على هذه الاقتصادات كونها ترفع القاعدة الإنتاجية ومستويات الدخل للمنشآت الصناعية وتؤدي إلى زيادة الفرص الوظيفية المتاحة، فإن العكس يحدث في الاقتصادات الريعية والمستوردة، حيث يؤدي ارتفاع معدّلات القروض الاستهلاكية إلى رفع مستويات الطلب وزيادة الاستيراد وتفاقم التضخّم. وبناءً على ما تقدّم، فإنه يصبح من الضروري الإسراع في تطبيق المقترحات التي قدّمتها الجهات المعنية بهذا الشأن وتشمل إنشاء هيئة اتحادية مستقلة للائتمان تهدف إلى توفير قاعدة بيانات مركزية ومؤشر لمخاطر القروض، وتقوية الجهاز الرقابي لـ "المصرف المركزي"، وتعديل السقف الأعلى لقيمة القرض بما يتناسب ومستوى الدخل ونسبة التضخّم عبر تقسيم المقترضين إلى شرائح حسب مستوى الدخل، ووضع ضوابط صارمة على المصارف المانحة للقروض الشخصية بحيث تتناسب قيمة القرض مع دخل المقترض والضمانات المقدّمة من قبله. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.