"لم أعد أتذكر أسماء القرى على جانبي الكيلومترات السبعة والعشرين التي تفصلها عن رام الله... كيف غنيت لبلادي وأنا لا أعرفها؟ هل أستحق الشكر أم اللوم على أغانيَّ؟ هل كنت أكذب قليلاً؟ كثيراً؟ على نفسي؟ على الآخرين؟ أي حب ونحن لا نعرف المحبوب؟ وماذا تفعل أجيال كاملة، وُلدت في الغربة أصلاً ولا تعرف حتى القليل الذي عرفه جيلي من فلسطين؟ خلق الاحتلال الطويل أجيالاً إسرائيلية وُلدت في إسرائيل ولا تعرف لها (وطناً) سواها، خَلقَ في الوقت نفسه أجيالاً من الفلسطينيين الغرباء عن فلسطين، وُلدت في المنفى، ولا تعرف من وطنها إلا قصته وأخباره، أجيالاً بوسعها أن تعرف كل زقاق من أزقة المنافي البعيدة وتجهل بلادها أجيالاً لم تزرع، ولم تصنع، ولم ترتكب أخطاءها الآدمية البسيطة في بلادها، أجيالاً لم تر جداتها يجلسن القرفصاء أمام الطوابين ليقدمن لنا رغيفاً نغمسه بزيت الزيتون... نعم الاحتلال خلق أجيالاً بلا مكان تتذكر ألوانه ورائحته وأصواته. الاحتلال الطويل خلق منا أجيالاً عليها أن تحب الحبيب المجهول النائي، استطاع أن يحولنا من أبناء فلسطين إلى أبناء فكرة فلسطين"... مقتطفات من سيرة ذاتية للشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، حملت عنوان "رأيت رام الله"، بعد أن تمكن من زيارة هذه المدينة إثر اتفاقيات "أوسلو". هي ليست مجرد سيرة ذاتية، هي عصارة ذكريات الوطن والمنفى. رؤية شاعرية بمنتهى الواقعية لفلسطين، إسرائيل حق العودة والمستوطنات نحن بحاجة لقراءتها اليوم في ذكرى النكبة الستين لضياع فلسطين وإعلان إسرائيل دولة في 14 مايو عام 1948، ستخرج المظاهرات المنددة والشاجبة، وستعقد المؤتمرات والندوات، وستتابع وسائل الإعلام جولات وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس ومقترحات "اللجنة الرباعية"، وتضيع القضايا المهمة في بروتوكولات السياسة وسياسات رؤساء الدول، ويستمر الأمر الواقع، ليرسخ سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في اقتلاع جذور الشعب الفلسطيني من المكان والزمان، فتضيع الجغرافيا ومعها التاريخ. يقول المفكر الفلسطيني "إدوارد سعيد" في مذكراته التي حملت عنوان "خارج المكان" واصفاً مشاهداته للقدس الغربية أثناء زيارته عام 1998:"القدس الغربية تعني دوماً بالنسبة إليَّ الأحياء العربية لمرابع طفولتي، حيث ولدت وعشت وشعرت بأني بين أهلي، فقد أضحت القدس الغربية الآن يهودية بالكامل". "شهادة حية على قيام إسرائيل بعملية هولوكوست عنصرية ضد الفلسطينيين العرب لطردهم من بيوتهم والاستيلاء عليها وإقامة الدولة اليهودية على ركام الحقوق العربية". هي حقائق مجسدة قد تشكل صدمة ثقافية، لكنها وللأسف واقع معاش بالنسبة لفلسطينيي48، ولمن عاش تجارب اللجوء مراراً وتكراراً من ملجأ مؤقت إلى آخر ومن منفى إلى آخر. واقع عايشه المثقفون الفلسطينيون ممن تمكنوا من زيارة قراهم بعد سنوات الغربة واللجوء، فإلى متى ستستعيد الذاكرة الفلسطينية تفاصيل المكان وأسماء القرى والأسر التي سكنت فيها قبل الاحتلال وقبل التشريد؟ كان اللجوء حلاً مؤقتاً بعد ضياع نصف فلسطين عام 1948، فلجأ الفلسطينيون للقرى المجاورة ودول الجوار "مؤقتاً" حتى استعادة الأرض والديار، فخرجوا حاملين مفاتيح منازلهم، لأنهم بالتأكيد عائدون، وبعد النكبة كانت النكسة، ليضيع ما تبقى بعد حرب الساعات الست عام 1967، لتكرر مأساة اللجوء، وليصبح لاجئو 1948 لاجئين بامتياز. وبذلك، وعبر الستين سنة الماضية، نمت وتشعبت ظاهرة اللجوء الفلسطيني، لتزداد تعقيداً في الداخل كما الخارج، ولتصبح ملفاً حساساً تتعاطى معه الدول العربية بحساسية شديدة وبصور لا إنسانية أحياناً بحجة المحافظة على الهوية الفلسطينية من الضياع. ولقضية اللاجئين الفلسطينيين أهمية بارزة في الصراع العربي- الإسرائيلي، فهي جوهر هذا الصراع، وهي الشاهد الحيّ على ديمومته، ومنذ البداية كان حق العودة حقاً أصيلاً في الخطاب الفلسطيني، وهو يعني حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، سواء الجيل الأول أو نسله بالعودة إلى منازلهم وقراهم التي تركوها أو أُجبروا على تركها في فلسطين التاريخية كنتيجة لحرب فلسطين عام 1948 وحرب يونيو 1967، وهو حق تكفله مواثيق حقوق الإنسان الدولية، إذ أكده الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، والميثاق العالمي للحقوق المدنية والسياسية، والميثاق الدولي لإزالة كل أشكال التمييز العنصري، واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 والمواثيق الأوروبية والأفريقية والأميركية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية، كما أن حق اللاجئين والمُهجّرين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم حق غير قابل للتصرف، ولا يسقط بمرور الزمن، وهو حق أكدته الأمم المتحدة بموجب قرارها رقم 194 الصادر في 11 ديسمبر 1948، كما أن حق العودة حق شخصي في أصله لا تجوز فيه النيابة، أو التنازل عنه لأي سبب في أي اتفاق أو معاهدة، وهو حق جماعي أيضاً. كان للسياسات الإسرائيلية من اقتلاع وتهجير جماعي قبل وأثناء وبعد النكبة تأثير مباشر على اقتلاع وبعثرة الذاكرة الجماعية الفلسطينية في محاولة إسرائيلية مستمرة لطمس التاريخ الفلسطيني كما طمست الجغرافيا الفلسطينية، وتنبه الفلسطينيون في مرحلة مبكرة للسياسات الإسرائيلية، فعملت المنظمات والجماعات الفلسطينية في المهجر على لملمة التاريخ الشفوي وإبراز الرواية الفلسطينية للتاريخ، لدحض الرواية الصهيونية ومواجهة عملية التهويد والتنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية، فعملت على حماية الذاكرة الجماعية من الضياع بتدوينها ونشرها، وهي وسيلة نضالية بيد الفلسطينيين حمايةً لأجيال فلسطينية نشأت في المهجر وتمكنت الجماعات الفلسطينية، وخاصة في الدول الغربية من إنشاء ومنظمات ومراكز أبحاث مدافعة عن الحقوق الفلسطينية، تُؤرخ للتاريخ الفلسطيني، وتحلل وتدرس الواقع السياسي المعاصر لتبقى فلسطين حاضرة في الذاكرة الجمعية لا مجرد صورة لوطن بعيد محتل. تمكنت السياسة الدولية وسياسة منظمة التحرير الفلسطينية من تمييع القضية الفلسطينية، فكان الانخراط في مسيرة "أوسلو" يستدعي تمييع التفاصيل الخلافية، كحق العودة، ومصير اللاجئين فيما اعتبر مجرد التوصل لاتفاق "أوسلو" إنجازاً تاريخياً، وما بدا أنه إنجاز بإيجاد سلطة فلسطينية وموطئ قدم في الضفة الغربية وقطاع غزة، كان يعني من جملة ما يعنيه أن التنازلات الفلسطينية ستكون أكبر من الإسرائيلية، فظهر منذ البداية أن المفاوض الإسرائيلي يتحرك ضمن إطار محدد بالمفاوضات الثنائية المباشرة والحل المتفق عليه بين الأطراف بما يسقط عنها ضمناً مسؤوليتها، ويعفيها مقدماً من أي التزام لا تريده. ومن جهة المفاوض الفلسطيني، شكل استبعاد القضايا الشائكة أو تأجيلها مدخلاً لإعادة صياغة مجمل الاستراتيجية الفلسطينية، أو على الأصح مدخلاً للتكيّف مع السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. وما تاهت المفاوضات الثنائية والمتعددة، حتى برزت القضايا الخلافية المصيرية في الصراع وأبرزها قضية القدس وقضية اللاجئين الفلسطينيين، اللتان برزتا كتحدٍ يهرب منه الجميع، خصوصاً المجتمع الدولي، وإسرائيل، فالقضيتان كلتاهما تمثلان جوهر القضية الفلسطينية، وتحملان استحقاقات قانونية وسياسية لابد وأن يتعاطى معها المجتمع الدولي وإسرائيل ولا تملك أي حكومة فلسطينية التفويض لإضاعتهما، أو التنازل عنهما. ستون عاماً من النكبة، ستون عاماً على تأسيس إسرائيل، ستة عقود من الهزائم العربية نسميها نكبة ويسمونها استقلالاً، نتذكر المناسبة حتى لا تضيع الحقيقة في تفاصيل خطط التسوية والانسحاب، وليبقى حق العودة والتعويض حقاً أصيلاً من الحقوق الفلسطينية التي لن تضيع بالتقادم مادامت الأجيال الفلسطينية واعية للسياسات الإسرائيلية، ومادامت الذاكرة الجماعية الفلسطينية باقية وحيه تصف أحياء وجيران ما قبل النكبة. وعود على بدء، يقول البرغوثي في سيرته:"إذا سمعت من خطب على منبر كلمة تفكيك المستوطنات، فاضحك واضحك كما تشتهي، إنها ليست قلاعاً من الليجو إنها إسرائيل ذاتها. إنها إسرائيل الفكرة والأيديولوجيا والجغرافيا والحيلة والذريعة. إنها المكان الذي لنا وقد جعلوه لهم. المستوطنات هي الميعاد اليهودي على هذه الأرض. هي غيابنا هي التيه الفلسطيني".