يثير التحقيق الذي تجريه الشرطة الإسرائيلية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت سؤالين حول مستقبل اللوحة السياسية الداخلية في إسرائيل من ناحية، وحول مصير جهود التسوية من ناحية ثانية. لقد حاول رجال أولمرت والمقربون منه أن يقدموا إجابة واحدة على السؤالين حينما قالوا إنهم على ثقة من أن التحقيقات حول قضية الفساد وتلقي رشوة من رجل أعمال أميركي، ستثبت زيف الاتهام، وأنه مجرد تلفيق قام به نشطاء حزب "الليكود" اليميني المتطرف بزعامة "نتانياهو" لأسباب تتعلق بسياسة أولمرت الخارجية. رجال أولمرت يقولون بصراحة إن سياسته السلمية المتجاوبة مع عملية "أنابوليس" من ناحية، والتي فتحت قناة حوار مع سوريا حول الجولان عبر تركيا من ناحية ثانية، هي الدافع لتلفيق القضية. هذه الإجابة عن السؤالين المطروحين تعني أن غايات "اليمين" الإسرائيلي لوقف عملية التفاوض على المسارين الفلسطيني والإسرائيلي سيتم إحباطها عن طريق إثبات براءة أولمرت. ترتيباً على هذه الإجابة، فإن أولمرت إذا ما أعلنت براءته سيبقى في منصبه كرئيس للحكومة، وبالتالي فلن يقع أي تغيير في اللوحة السياسية الداخلية كما أن جهود التفاوض ستمضي في طريقها دون تغيير. هذه الإجابة لا يجب أن تؤخذ باعتبارها فصل الخطاب، فهناك احتمال أن يتعقد موقف "أولمرت" في القضية، وأن يصل وضعه فيها إلى حد حرج يجبره على الاستقالة. هذا الاحتمال سيزداد وضوحاً خلال الأسابيع القادمة مع تقدم تحقيقات السلطات المختصة. في هذه الحالة، فإن تغيراً حتمياً لابد وأن يطرأ على السياسة الداخلية والخارجية على حد سواء. هنا يصبح السؤال ما هي الاتجاهات المحتملة لهذا التغيير؟ فيما يتعلق بوضع الحكومة، فإن هناك سيناريوهين لا ثالث لهما. الأول استمرار الحكومة بتشكيلها الحالي مع اختيار رئيس وزراء جديد بدلاً من أولمرت من بين قيادات حزب "كاديما" وإما إعلان حل الكنيست وتحديد موعد لانتخابات مبكرة. السيناريو الأرجح يعتمد على القرار الذي سيفضله الحزبان الرئيسيان في الحكومة وهما "كاديما" و"حزب العمل". قرار لابد أن يضع في حسبانه أن استطلاعات الرأي والمزاج السياسي العام السائد في الشارع الانتخابي الإسرائيلي يميل بشدة إلى تأييد صعود "اليمين" بقيادة نتانياهو للحكم بعد الفشل الذي منيت به الحكومة في الحرب على لبنان، كما أظهر تقرير لجنة "فينوجراد" واستمرار المخاطر الأمنية الناتجة عن إطلاق الصواريخ من غزة فضلاً عن عدم وضوح مصير عملية التسوية السياسية. المرجح في تقديري أن خوف زعيم حزب "العمل" الجنرال إيهود باراك من فقد مقعده كوزير للدفاع في حالة تبكير موعد الانتخابات، سيدفعه إلى تفضيل استمرار الحكومة برئاسة أحد زعماء "كاديما". كذلك فإن وضع باراك القانوني الذي لا يؤهله للمطالبة برئاسة الحكومة نظراً لعدم كونه عضواً بالكنيست، وهو شرط لازم لشغل منصب رئيس الحكومة، سيدفعه إلى قبول صفقة استمرار الحكومة بزعامة وزيرة الخارجية تسيبي ليفني خليفة لأولمرت في قيادة حزب "كاديما". هذا السيناريو يبدو هو الراجح في حالة الإطاحة بأولمرت حتى لو تمكنت دوائر ليكود من إقناع حزب شاس الديني "اليميني" الشريك في الحكومة الحالية بالاستقالة منها لإضعاف موقفها والتقليل من أغلبيتها في الكنيست، ذلك لأن الحكومة تستطيع مواصلة الحكم بأغلبية طفيفة في حالة استقالة "شاس" رغم الضعف الذي سيلحق بأدائها. إن تأثير استمرار الحكومة بزعامة "ليفني" على مستقبل عملية التسوية، سيكون على الأرجح، إصابة العملية بالاسترخاء. فالمعروف أن حزب "شاس" يتحفظ على أي تنازلات في موضوع القدس، وبالتالي فإن تحفظه سيبقى ضاغطاً على "ليفني" إذا بقي شريكاً في الحكومة، كما أن خروجه من الحكومة سيضعف أغلبيتها اللازمة لتمرير أي تسوية. ولحل هذا الاسترخاء المتوقع في عملية التسوية -الخافتة أصلاً- هو مبرر نبرة التشاؤم التي بدأت تتردد في السلطة الفلسطينية.