الموت ظاهرة فردية. إذ يموت الإنسان بانتهاء الأجل (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ)، ويكون لأسباب خاصة مثل المرض بعد استنفاد كل وسائل العلاج. وأحياناً يكون بسبب الانتحار بعد أن يئس الإنسان من الحياة وقرر إنهاء حياته بيده. الموت الفردي قدر حتمي على البشر بما في ذلك الأنبياء (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ)، أو باختيار إنساني بدافع اليأس. والحياة مؤقتة، والوجود نحو الموت. والزمان هش، والوجود قابل للكسر كما يقول بعض فلاسفة الوجود المعاصرين. والظاهرة الجديدة في الوطن العربي هي الموت الجماعي الناتج عن إهمال بشري ونظم اجتماعية وسياسية من وضع الإنسان. وعلى رغم أن المنطقة آمنة من الكوارث الطبيعية، الزلازل والبراكين والفيضانات مثل "تسونامي" في جنوب شرق آسيا، وحزام الزلازل الممتد من اليابان عبر المحيط الهادئ إلى كاليفورنيا، وحرائق الغابات كما هو الحال في أميركا واليونان وفرنسا إلا أن الموت الجماعي يتم بإرادة بشرية مثل الموت الفردي: غرق العبَّارات، انهيار العمارات، حوادث السيارات على الطريق العام، حالات التسمم الجماعي من الوجبات السريعة غير النظيفة على جانبي الطريق. وإذا كان البلد محتلاً مثل فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان يحدث الموت الجماعي من القصف الجوي وانفجار السيارات المفخخة، ودك المنازل بقذائف الدبابات، وإطلاق النار على المتظاهرين لا فرق بين مقاتل وغير مقاتل، بين مقاوم يحمل السلاح ومواطن يحمل الخبز ليقيم أوده. فيموت الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ. وقد يحدث الموت الجماعي بسبب الحروب الأهلية والنزاعات القبلية كما هو الحال في الصومال والسودان، حرق القرى، وهدم المنازل، والانتقام الجماعي، والتضحية بالمدنيين الآمنين صراعاً على السلطة والثروة، وغياباً لمفهوم المواطَنة لصالح القبيلة أو الطائفة. ويرجع الموت الجماعي إلى أخطاء بشرية وأسباب مباشرة. كالإهمال في قيادة السيارات، والحصول على رخص القيادة بالرشوة دون اختبار للمهارة، وعدم الحرص على حياة الآخرين، وسوء تنظيم المرور، وعدم اتباع القواعد والتعليمات، والسير في الاتجاه المعاكس، والسرعة الزائدة، ونوم السائقين أثناء القيادة من الإرهاق الجسدي، وتناول المخدرات لليقظة، وعدم الاستراحة بين سفرة وأخرى من أجل كسب قوت العيش. ويرجع الإهمال البشري إلى غياب ثقافة المواطَنة. ففي الموت الجماعي في حوادث الطريق لا يفرق المواطن بين الخاص والعام، بين البيت والطريق، بين الطرق الزراعية والطريق السريع. كلاهما ميدان لتحركه بنفس القانون الطبيعي. يسير كما يشاء ويقف حين يريد. لا فرق بين اتجاه واحد واتجاه مزدوج، ولا فرق بين الذهاب والإياب. ولا فرق في السير نهاراً والسير ليلاً من حيث المصابيح والكشافات. الكل سير في أرض الله ومشي في مناكبها، لا فرق بين سير البشر وسير الحيوانات بصحبته. فهي ثروته ورفيقه. فالعالم لا يحكمه قانون سوى الرغبة. وفي الطريق متسع للجميع. وليس للآخر حقوق مستقلة عن حقوق الذات. فالحياة جماعة أو الموت جماعة فضيلة. ويرجع انهيار العمارات إلى الغش في الإسمنت وحديد التسليح سواء في المواصفات أو في النسب والكميات. فالقصد من عمارة التمليك الكسب السريع. ولا توجد قوانين لحماية المستهلك. توجد قوانين بيروقراطية من جهاز الدولة للسيطرة على مرافق الحياة يسهل اختراقها بالرشوة أو الواسطة أو السلطة والنفوذ. المقاول يسرق المالك، والمالك يسرق الساكن، والساكن يقسو على البوَّاب، والبواب له الله. ويرجع غرق العبَّارات إلى أن أصحابها ذوو حيثية ونفوذ لدى بعض السلطات الحاكمة، تبادل منافع ومكاسب مشتركة على حساب أمن الناس وحياة المواطنين. فيغضون الطرف عن التفتيش على شروط السلامة. والموت الجماعي بسبب الطائفية والقبلية في السودان والصومال فلأن وحدة الوجود هي القبيلة وليس الفرد، والقتل على الهوية وليس بسبب جرم فردي كما كان الأمر في الجاهلية، القتل على الجنس (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ). وقد انجر لبنان إلى القتل على الهوية أثناء الحرب الأهلية، ورواندا أيضاً في النزاع بين القبيلتين "الهوتو" و"التوتسي". وهو نفس التصور الذي عند الكيان الصهيوني بالنسبة لشعب فلسطين قتل على الهوية لأنه جسم الجريمة الذي لابد وأن يختفي تبرئة للمجرم من جريمته. وهو نفس التصور عند البعض في العراق. كلهم يناوئون الوجود الأميركي الذي وجد في العراق ليبقى ضمن استراتيجية كاملة لحصار الاتحاد الروسي والصين في خاصرتهما في أواسط آسيا وجوارها في المشرق العربي. وقد يكون الإحساس بالخوف من أسباب هذا الموت الجماعي. فالإنسان خائف من نفسه غير واثق بها، ومن مجتمعه سبب عذابه اليومي، ومن نظامه السياسي مصدر قهره، ومن ثقافته الدينية الشعبية التي تدعو إلى الاستسلام والإيمان بالقضاء والقدر "لو علمتم الغيب، لاخترتم الواقع". ومن لا يشعر بالإيمان لا يستطيع تأمين حياة الناس وقد ينقلب الإحساس بالخوف إلى الضد عندما يتحول إلى اعتداء على الناس. مع أن الله يعطي الناس الأمان (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّنْ جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ). وقد يكون سبب الموت الجماعي هو الإحساس بالحق الضائع ثم استرداده بالقوة على نحو لاشعوري. فالمواطن مقهور بلا حقوق ومكبل بالواجبات. ويشعر أنه يعيش في عالم لا ينتمي إليه، ولا يعترف بوجوده. فيسير السائق في الطريق على نحو عشوائي. وفي المقابل يشعر المقاول ومالك العمارة بأن له كل الحق في أن يفعل ما يشاء من أجل الكسب السريع. فالآخرون لا وجود لهم ولا حياة لهم. هم مجرد مصدر للكسب ومورد للمال. ولا يوجد قانون لحماية الناس. وإن وُجد فبمنحة من الدولة وكرم منها، تعويضاً عن العائل المتوفى. فالمال في مقابل الحياة. كل شيء يُباع ويُشترى في سوق النخاسة. ويهرب المجرم المحتال إلى الخارج بأمواله إلى بلد خارج نطاق المعاهدات الدولية بتسليم المجرمين والفارِّين من العدالة. والنظام السياسي قد لا يهتم إلا بالأمن، أمن النظام وليس أمن المواطنين. والمتاجرون بأقوات الشعب، الناهبون لثرواته هم جزء من النظام. هم الخصم والحكم. لا يقضي على ظاهرة الموت الجماعي إلا ثقافة تعتمد على حقوق المواطن وليس فقط واجباته، وواجبات الدولة وليس فقط حقوقها. ثقافة تقوم على مفهوم الفرد وليس الجماعة "لأنْ يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها"، (وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً). لا يحافظ على حياة الناس إلا في ثقافة تقوم على الحفاظ على الحياة كما هو الحال في مقاصد الشريعة. فالحفاظ على الحياة أول المقاصد. وحياة الحيوان لا تقل قيمة عن حياة الإنسان. "والله لو عثرت بغلة في العراق لسئلت عنها يا عمر: لماذا لم تسوِّ لها الطريق؟".