عندما أتحدث عن المجتمع المتغير -والمقصود مجتمع الإمارات- أشعر بأن التغير الأكبر الحاصل يصل في نهاية المطاف إلى تغير في الشعور والوعي. ذلك التغير هو أننا وصلنا إلى النقطة التي نقبل فيها التجديد في أنماط حياتنا ليس كوسيلة للوصول إلى الأفضل فقط، ولكن لإحداث التغيير كهدف نهائي في حد ذاته. ذلك يحدث بشكل خاص في أوساط الناشئة الذين يعون المجتمع الذي يعيشون فيه وما يدور فيه من حولهم، بالنسبة لهذه الفئة ليس الثبات، ولكن التغيير فقط، هو الذي يجب أن يسود حركة المجتمع، ذلك يحدث بسبب أن جزءاً متزايداً من طاقة هذا المجتمع مسخرة في خدمة التحديث والإصلاح. وبالتأكيد فإن المرء يستطيع أن يلمس قبول كافة أفراد مجتمع الإمارات لفكرة التحديث ونقل البلاد من الحالة التي كانت عليها إلى ما هي عليه الآن، خاصة في أوساط المثقفين والنخبة الاقتصادية. وإذا ما كان المرء يتحدث عن ثورة تحديثية في حياتنا الاجتماعية فأي من التغيرات التي حدثت هي الحاسمة؟ إن عقل المواطن المخضرم الذي عاش فترة ما قبل التحديث وما بعدها، يتجه إلى معجزات العلم والتكنولوجيا التي أصبحت تحيط به، ولكن يبقى أن المرء يجب أن يكون دقيقاً هنا. فالمواطن المخضرم الذي ترعرع في هذا المجتمع، شهد في مسيرته تغيراتٍ تكنولوجيةً مستمرةً ومتسارعةً، ولكن يبقى أن ذلك التسارع التكنولوجي، لم يكن على نفس القدر بالتحديد، لقد تواجدت عمليات تحديث منفردة، ولكن التغير العلمي المركز أو المنهجي لم يتم النظر إليه على أنه نمط عام يستحق الأخذ به ويتزامن مع الفرق في سرعة التغير والطريق الذي يسلكه الاختلاف في المدى الذي أخذه، فخلال عشرة أعوام فقط في الفترة مابين 1965-1975 كان علينا أن نشهد تغييراتٍ هيكليةً في البنية التحتية للبلاد وفي علاقة نخبها السياسية ببعضها بعضاً، وفي الغطاء الأمني الذي يحفظها ضد أطماع أعدائها الخارجين، وأخيراً في بنيتها السياسية وتشكلها كدولة اتحادية عصرية. ومع تطور المجتمع على تلك الأصعدة، تطور أيضاً على صعيد نخبته الثقافية التي زاد حجمها وزاد عطاؤها وإسهامها الفردي في خدمة ثقافة المجتمع. الفارق بين ما كان موجوداً من مثقفين وثقافة في بداية ستينات القرن الماضي وما هو موجود اليوم، كبير جداً، ويمكن ملاحظته من قبل كل من عاش طفولته على أرض هذه البلاد من جيلنا، فالمثقفون المواطنون في الماضي كانوا قلة قليلة جداً. كنا نسمع عن مثقفين كان معظمهم من العرب غير الخليجيين الذين كان مدرسونا العرب يخبروننا عنهم أنهم رجال من سكان المدن الكبرى في البلاد العربية الأخرى، ويقومون بفعل المعجزات في التعامل مع الورقة والقلم، وأنهم عباقرة في إخراج الأعمال الثقافية، لذلك فإن الصورة التي تكوّنت لدينا عن المثقفين كانت صورة طوباوية حالمة، كنا نتشوق إلى رؤيتها على أرض الواقع في مجتمعنا. للقدر مشيئته، فقد تطور الحال سريعاً، وجاء التغيير إلى مجتمعنا خلال فترة قصيرة لم تزد على عشر سنوات، إنه في إطار هذا التغير السريع الذي يأخذ مكانه الآن في مجتمع الإمارات، يحلو التفكير في واحدة من الصور الرومانسية الحاصلة، والتي من الممكن لها أن تؤدي بثقافة المجتمع الأصلية إلى الانطفاء. الزيادة الملحوظة في الأعمال الثقافية، والأشخاص العاملين فيها أدت إلى حدوث فرق في أوضاع القائمين على العملية. وعليه فإن ما يهم اليوم هو العمل الجماعي وتوفر الموارد اللازمة، وهذا لا ينطبق على الأعمال الثقافية فقط، بل على كافة فروع المعرفة الأخرى من علوم وتكنولوجيا. وعودةً إلى مجال الأعمال الثقافية، يلاحظ وجود نمو متواصل وثابت للتقنيات المستخدمة في إخراجها إلى الجماهير، وهو نمو وتطور لا يبدو أن له نهاية، لذلك فإنه يحتاج دائماً إلى وجود العمل الجماعي بين المشتغلين فيها. إن هذه الحاجة إلى العمل الجماعي نتج عنها خلال الفترة الماضية ظهور انتليجنسيا ثقافية ذات حجم لم يسبق له مثيل من قبل في مجتمع الإمارات وذات قدرات فنية متقدمة جداً (مسلسل الفريج الكرتوني مثلاً). وفي المقابل توجد حاجة إلى هذه الأنتليجنسيا ليس بسبب وجود التقنيات الحديثة فقط، ولكن بسبب المشاركة الجماهيرية الضخمة غير المسبوقة الآخذة في المشاركة في استهلاك المنتجات الثقافية التي تطرح يومياً على صعيد المجتمع. وفي تقديري فإن هذه المشاركة الجماهيرية هي أهم العوامل الاجتماعية تأثيراً في تغيير مجتمعنا، وهي فوق ذلك النتيجة النهائية الجديدة لكل التغيرات التكنولوجية الحاصلة من حولنا. وعند نقطة لم يمر عليها وقت طويل أصبحت هذه الزيادة في مشاركة المستهلكين للناتج الثقافي المحلي كبيرة إلى درجة أن المرء يستطيع التحدث عن نهاية حقبة اجتماعية وبدء حقبة أخرى جديدة بكل المقاييس، فإلى أين يسير بك مثقفوك يا مجتمع الإمارات؟