تحكم المواجهات الأخيرة التي شهدها العراق رؤيتان للمستقبل وقراءتان مختلفتان لمصير البلاد. فمن جهة هناك الرؤية التي تؤيدها بعض أجنحة الحكومة العراقية المدعومة من قبل القوات الأميركية وتقوم على عراق ضعيف ومنقسم على نفسه يتعاون مع الاحتلال ومرتبط باستمرار التواجد الأميركي إلى أجل غير مسمى، ومن جهة ثانية هنالك رؤية مغايرة تحرص على عراق موحد وقوي سيد مصيره ومتحكم في موارده وحريته. والواضح فيما يجري أن إدارة الرئيس بوش تقف إلى جانب الرؤية الأولى وتدعم الحكومة العراقية بقوة للتخلص من الرؤية الثانية. وربما لهذا السبب استمات قائد القوات الأميركية في العراق "ديفيد بترايوس" خلال شهادته أمام الكونجرس في الدفاع عن خطة زيادة القوات وما أحرزته من تقدم. فالخطة التي دافع عنها "بترايوس" إنما جاءت لتحسين الوضع الأمني بما يسمح للحكومة في بغداد بتنفيذ الرؤية الأميركية في العراق. بيد أن تلك الرؤية لم يقدر لها النجاح بعد أن أشار السيناتور "ليفين" خلال جلسات الاستماع إلى أن "الهدف الرئيس الذي كانت ترمي إليه خطة زيادة عدد القوات الأميركية والمتمثل في منح القادة العراقيين فسحة من الوقت للتوصل إلى تسوية سياسية لم يتحقق". ونحى السيناتور باللائمة على "انعدام الكفاءة لدى القيادة العراقية وطائفيتها المفرطة". ولم يعد خافياً أن مظاهر انعدام الكفاءة والطائفية باتت مصدر إحراج للإدارة الأميركية لتصل ذروتها في الهجوم الذي قادته القوات العراقية بدعم من الجيش الأميركي في البصرة، وتخلي أكثر من ألف جندي وشرطي عراقي عن مواقعهم، أو رفضهم مقاتلة أمثالهم من الشيعة التابعين لميليشيا "جيش المهدي". ومثل هذا الفشل في إقناع الشيعة بمواجهة شيعة آخرين كما يفترض في القوات التي تدين بولائها للحكومة، والتي ينظر إليها البعض على أنها مجرد آلة تحركها أميركا، يكشف بوضوح ضعف الرؤية الأميركية للعراق. ويبدو أن الغرض من الهجوم الذي شنته حكومة المالكي، المتحصنة في المنطقة الخضراء ببغداد والمنعزلة عن الواقع اليومي للناس، كان تدمير القدرات العسكرية للتيار الشيعي التابع لمقتدى الصدر وتحييده سياسياً تمهيداً لإقصائه من انتخابات مجالس المحافظات المقرر عقدها في شهر أكتوبر المقبل. وبالطبع كان ذلك سيخدم مصالح الإدارة الأميركية ما دام سيخلصها من تيار معارض للوجود الأميركي في العراق. لكن في المقابل يدرك المعسكر الشيعي الآخر المشارك في الائتلاف الحكومي أنه لن يتمكن من الاستمرار في الساحة دون المساعدة الأميركية وتواجد الاحتلال، لذا يوافق عن طيب خاطر على تقسيم العراق إلى أقاليم فيدرالية أقرب شبها بدويلات صغيرة. والظاهر أن هذه الرؤية القائمة على تجزيء العراق وتفتيته سبق أن وافقت عليها واشنطن بعدما صوت مجلس الشيوخ الأميركي في شهر سبتمبر الماضي لصالح مقترح يقضي بتقسيم العراق إلى مناطق منفصلة تتمتع بالحكم الذاتي. وقد أكد في هذا الإطار السيناتور "جوزيف بايدن" صاحب مشروع القانون في برنامج تلفزيوني أن الفشل في العراق أمر حتمي و"لا توجد إمكانية لقيام حكومة مركزية قوية في بغداد". واللافت أن إدارة بوش التي رفضت مقترح "بايدن" واعتبرته "وصفة غير مسؤولة لتفكيك العراق"، لم تصدر أي تنديد عندما صادق مجلس الشيوخ على مشروع القرار في شهر سبتمبر الماضي. ومن نافلة القول أن نشير إلى الأهمية الكبرى التي تتمتع بها البصرة بالنسبة للعراق باعتبارها المنفذ البحري العراقي الوحيد، بالإضافة إلى ثروتها النفطية الهائلة، لذا يعارض التيار الشيعي المعارض بقوة، ومعه النقابات العمالية في العراق، قانون النفط الجديد الذي تسعى إدارة بوش إلى إقراره، ويعطي الشركات النفطية سيطرة غير مسبوقة على نفط البلاد. وهكذا فإن إلحاق الهزيمة بذلك التيار الشيعي، وسحق النقابات العمالية، من شأنه إفساح المجال أمام الحكومة العراقية المدعومة أميركياً لعقد انتخابات مجالس المحافظات دون منافسة حقيقية، وتنظيم استفتاءات صورية تحول العراق إلى بلد ضعيف ومحتل وخاضع اقتصادياً للشركات الأجنبية. وهذا المستقبل هو بالذات ما تبحث عنه النخبة السياسية الحاكمة حالياً في العراق، والتي تهيمن عليها طبقة التجار ونشطاء المنفى السابقون. كما أن هذه الرؤية هي التي يرفضها الوطنيون العراقيون سواء من الشيعة، أو من العلمانيين. ففي رسالة مفتوحة إلى البرلمان العراقي شدد 419 من الأكاديميين والمهندسين والخبراء العراقيين على مقاومتهم للمشروع الأميركي في العراق قائلين: "إنه من الواضح أن الحكومة تحاول تطبيق مطالب المحتل الأميركي"، مضيفين أن مسودة قانون النفط "تهيئ الطريق لنهب ثروة العراق الاستراتيجية وإهدارها من قبل الأجانب الذين تدعمهم العناصر الراغبة في تكريس صلاحيات المناطق على حساب السلطة المركزية". ولعل ما زاد من عدم كفاءة الحكومة العراقية التي تدعمها الإدارة الأميركية هو الفساد الذي ينخر مفاصلها، والفشل في تلبية الاحتياجات الأساسية للعراقيين. فعلى رغم توفر العراق على 30 مليار دولار من العائدات النفطية، إلا أن الحكومة لم تبذل سوى القليل من الجهد لإعادة اللاجئين إلى ديارهم. والحقيقة أن بعض معارضي الحكومة العراقية أظهروا طيلة الفترة السابقة قدرة واضحة على التدخل الإيجابي لنزع فتيل الأزمة وإخماد حرائق المواجهات، وهو ما يفرض على بوش ونوري المالكي، إذا كانا فعلاً حريصين على ترسيخ الديمقراطية في العراق، التفاوض مع أولئك المعارضين بدل السعي إلى إقصائهم.