تتراوح النكتة في أوضاع البلاد العربية بين ثورية ومحافظة، مع الاشتراك في الإكراه، فهناك يحقق في قضايا لا تستحق أن تكون قضية ينظر فيها، وهنا يحظر على المرأة قيادة السيارة إلا بتسعة شروط! ففي بلد عربي ثوري تم الإفصاح عن تسعين مهنة ومساحة، كانت من اختصاص المخابرات، مثل دفن الميت وحفلة الزواج وفتح نادي بيلياردو ومطعم شاورما ودخول الدراسات العليا..! كانت كل المهن السابقة مشروطة ممارستها بأخذ ترخيص مسبق من المخابرات حسب الاختصاص، من المخابرات النهرية أو البحرية، فرع 273 لصالح المخابرات العامة، أو الفرع الداخلي، أو فرع فلسطين دون أي علاقة بالقدس أو يافا..! وهو أمر تفاجأت به أنا شخصياً، حين قدم لي المحقق من الأمن السياسي مع صورتي، وأنا شاب في السابعة عشرة من العمر بدون شوارب، وبعدها استغرابه كيف تمكنت من دخول الدراسات العليا! كان قد تم استدعائي لأن امرأة طلقها زوجها، فكتبت تقريراً بحق ثلاثين من العباد، قائلة إنهم كانوا يتآمرون ضد الرفيق القائد قبل ثلاثين عاماً؛ فمنهم من جلد وحبس، ومنهم من ضرب وأهين، أو كسر ذراعه وتحطم نابه، وأحسنهم حظاً كنت أنا؛ فبقيت على أبوابهم سبعة عشر يوماً حسوماً، في كل إجازتي التي كانت مخصصة للراحة؛ فتحولت نصباً وعذاباً. أما صديقي الدكتور ملص، اختصاصي الأمراض النسائية، وحامل الجنسية الألمانية، فقد أقسم بعشتروت وماروت وهاروت، أن لا يبقى لحظة واحدة في البلد بعد الحبس، بعد أن تحول الوطن إلى حبس كبير، يضم مواطنا مسكيناً ويتيماً وأسيراً. ومقابل هذه النكتة التي لا تضحك أحداً، أخبرني الشاب النبيه فيصل، أن الصيف سيكون موسم السماح للمرأة بقيادة السيارة، كما لو قيل مسموح للدماغ أن يفكر، والفم أن يبلع، والجلد أن يتعرق، وهكذا فنحن نبحث في البديهيات الطبيعية على أنها محرمات من الله، فنفتري على الله الكذب! قال لي: ولكن لن يسمح لأية امرأة، بل لابد من توفر تسعة شروط؛ مثل أن يكون عمرها بين الثلاثين والتسعين؟ وأن لا تبتعد عن بيتها أكثر من تسعين كيلومتراً، وأن لا تقود بعد الساعة التاسعة ليلاً، أو قبل السادسة صباحاً (ما يذكر بحظر التجول في مناطق الحروب الأهلية في رواندا)، وأن لا تكشف عن وجهها إلا في ثقوب مجهرية تكفي لدخول الضوء. وأن تحمل موبايل من نوع خاص، وأن لا تسوق إلا سيارات رباعية الدفع ودفعة أول سنة. وأن لا تصلح إطاراً نزل، أو أنبوباً خر، وعادماً اهترأ، وكاربوريتر انسد، بل أن تتصل بقوة خفر السواحل، أو الطوارئ النسائية، فتخلق مهناً من مهن، أثقالاً فوق أثقالهم! قلت: هؤلاء الذين اقترحوا هذه الشروط، لكسر السحر الاجتماعي، فكروا جيداً وضربوا ضربتهم، فهم يريدون أن يبدؤوا من مساحة رمادية لزحزحة الحرام، وتحويله إلى حلال، تحت أي شرط تعجيزي، وكسر الشروط يأتي مع الشروط. بكلمة أخرى حين يسمح للمرأة أن تسوق السيارة، ولو كانت في أي وضع وشرط، فهذا سيقود لاحقاً لكسر السحر في هذا الموضوع، والتخلص من شروط كثيرة. وقصة مساحة المحرمات في العالم العربي، بين النموذج الثوري والنموذج المحافظ، تجعلنا نفهم أن الفروق ليست كبيرة، وأن قلوبهم تشابهت، وأن سنّة الإكراه واحدة، وأن بين المرأة والضوء ليالي كثيرة. مع هذا فقانون التاريخ يقول إن الزبد يذهب جفاء، وما ينفع الناس يمكث في الأرض، وكذلك يضرب الله الأمثال.