يرى الغربيُّون الذين ترتفع وتيرة تعاملهم مع الأتراك أكثر من العرب في المفاهيم الدينية نتيجة لتبني الأتراك حكومة وشعباً لمفهوم العلمانية, بغض النظر عن مستوى التطبيق, أن تركيا اليوم تعبر أفضل من أي دولة إسلامية عن صورة الإسلام العصري الذي يجب أن يسود كمثال في دول العالمين العربي والإسلامي, كما أنه ليس خافياً أن الولايات المتحدة الأميركية قد دعت أكثر من مرة, الدول العربية لتحذو حذو تركيا فيما يتصل بالنظام السياسي الديمقراطي المطلوب إقامته, بدلاً من الأصولية الدينية المتشددة القائمة حالياً في العالم العربي. ولكن هذه الدعوة ذهبت أدراج الرياح, ولم تلق لها الشعوب والحكومات العربية اهتماماً كافياً! فلماذا يرفض العرب المسلمون التجربة التركية التي أوصلت حزباً إسلامياً مثل حزب العدالة والتنمية إلى الحكم, بل واستطاع قادة هذا الحزب الوصول إلى سدة الحكم, رغم أنف القادة العسكريين الذين نذروا أنفسهم لحماية العلمانية التي أسسها أبو الأتراك, أتاتورك؟ بادئ ذي بدء لابد من التفرقة بين التجربتين العربية والتركية في مجال الإسلام- السياسي, حيث تختلف التجربتان في منطلقاتهما الفكرية والتاريخية. ففي تركيا كان هدف أتاتورك بناء دولة علمانية فرضها على الأتراك الذين قبلوا بها على مستوى الدولة ونص دستورهم على النظام العلماني. وبالتالي تعامل الأتراك مع الإسلام بصورة غير أصولية منذ بداية قيام الدولة العلمانية, وفي ظل مثل هذا النظام لا مكان لرجل الدين في الشأن العام أو في النظام التعليمي. لقد تخلص أتاتورك من رجال الدين على مستوى الدولة, واخترقت العلمانية النظام التعليمي بما ترتب على ذلك من تكوين شخصية تركية علمانية. ولاشك أن أتاتورك كان مغالياً ومتطرفاً في نبذه لكل ما هو ديني عن الدولة وفي كل المجالات, لكن لم يكن هناك بدٌّ من ذلك لإقامة دولة عصرية ذات طابع غربي. ومن ثم نشأ الأتراك منذ البداية على المفاهيم العلمانية, وبالتالي لم يكونوا (غرباء) عنها, بل كانوا من نتائجها. ومع استمرار غياب الدور الديني وطغيان السياسة العلمانية كأسلوب دولة وحياة, تمكن الأتراك من استيعاب عملية التساوق بين الإسلام كدين تعبدي, والحياة العلمانية, وخاصة أنهم ظلوا فترة طويلة بعيداً عن العرب لأسباب تاريخية, دون إنكار لحقيقة أن العرب أيضاً كانوا كارهين للأتراك لأسباب تاريخية أيضاً كما هو معروف. ويمكن القول بصراحة إن العلاقة لا تزال تتسم بشيء من عدم الثقة, بدليل رفض الأتراك التام للدولة الدينية التي يطرحها المسلمون العرب اليوم متمثلة في الأصولية الدينية. الأتراك لا يريدون الدولة الدينية السُّنيّة أو الشيعية في حياتهم مجتمعاً ونظاماً. العرب المسلمون بدورهم لا يقبلون التمثل بالتجربة التركية بسبب قناعة زائفة مفادها أنهم لبّ الإسلام وجوهره, فمنهم ينطلق الدين وبهم يسود. وبالتالي يعتقدون أنهم يحتكرون الحقيقة الدينية التي تختلف تماماً عن المفهوم التركي. فالعرب المسلمون يريدون اليوم دولة الخلافة ويريدون إسلاماً أصولياً (سلفياً), وقد ساهمت أموال البترودولار, للأسف في ترسيخ هذا المفهوم. وهو ما يرفضه الأتراك. وبذلك لا يمكن أن يلتقي المفهومان التركي والعربي حول الدور المطلوب من الإسلام في النظام السياسي, ومن ثم لا مجال لقبول المفهوم التركي للإسلام السياسي في الشرق الإسلامي.