تتصاعد في الكويت حمى الانتخابات منذ أن حل الأمير مجلس الأمة في 19 مارس الماضي، لتنتهي بذلك فترة المجلس الحادي عشر في تاريخ التجربة البرلمانية الكويتية الرائدة والملهمة في المنطقة. ويستعد الكويتيون الآن لانتخابات المجلس الجديد في 17 مايو الحالي، وسط استقطاب وتنافس حادين. ويتنافس 350 مرشحاً بينهم 28 امرأة يمثلون الكتل السياسية والمرشحين المستقلين والقبائل، على أصوات أكثر من 360 ألف ناخب يشكلون حوالي ثلث الشعب الكويتي. واللافت أن الصوت النسائي هو الأقوى، والكتلة المرجِّحة في الانتخابات، إذ يبلغ عدد الناخبات أكثر من 200 ألف. ويلفت في هذه الحملة الانتخابية العديد من الظواهر التي تستحق التسجيل والمتابعة، وأبرزها نظام القوائم واللوائح، وتلاشي بل الاختفاء التدريجي للنائب المستقل، بسبب تقليص عدد الدوائر وزيادة عدد الناخبين في الدائرة الانتخابية من بضعة إلى عشرة أضعاف أعدادها، هذا إضافة إلى تغير مفهوم وثقافة الحملة الانتخابية كلياً. كما أن أكبر دائرة انتخابية يتجاوز عدد ناخبيها المئة ألف ناخب، في حين أن أصغرها لا تتجاوز الأربعين ألفاً. وينعكس ذلك بازدياد الأعداد المطلوبة للفوز بمقعد في مجلس الأمة إلى عدة آلاف تزيد أو تنقص حسب عدد الناخبين، ونسبة التصويت التي تبقى مرتفعة بمعايير المجتمعات الناشئة. والظاهرة الثانية هي التشدد الحكومي في محاربة والتصدي للانتخابات الفرعية والتصفيات القبلية التي يجرمها القانون الكويتي الذي أصدره مجلس الأمة عام 1998 للقضاء على القبلية والطائفية والفئوية، وهذا كان السبب الرئيسي لتقليص عدد الدوائر الانتخابية للقضاء على الشوائب التي كانت ترافق الانتخابات من نقل وشراء أصوات واستشراء وطغيان الفئوية والقبيلة على الدولة والمجتمع، وكانت الحصيلة نائباً مرتهناً وخاضعاً للفئة الصغيرة التي أوصلته للبرلمان. ولم تتطور التجربة البرلمانية الكويتية لتخرج من تلك الشرنقة التي حولت النائب إلى "مختار" لدائرته وجماعته وعائلته وطائفته وقبيلته، وليس كما ينص الدستور ممثلاً للأمة بأسرها. وظهر في هذه الانتخابات تحدي القبيلة للدولة بالإصرار على الانتخابات الفرعية. والظاهرة الثالثة هي دور الإعلام الخاص، والزخم الإعلامي الذي ولَّد قطاعاً أساسياً في الحملات الانتخابية، ترافق مع فورة الصحافة الخاصة التي وصلت إلى خمس عشرة صحيفة يومية عربية وثلاث صحف باللغة الإنجليزية، والفضائيات الخاصة التي حجزتها بعض التيارات السياسية لنشر برامجها وبث ندواتها وشراء دعايات مدفوعة الثمن وبأثمان باهظة طوال فترة الحملات الانتخابية. كما خصصت الصحف صفحات كثيرة للدعايات الانتخابية مع صور المرشحين وتصريحاتهم وندواتهم وإعلاناتهم الملونة التي تقوم مؤسسات وشركات خاصة بإعدادها بعناية، والتي تُبث على الفضائيات وبشكل متواصل وضمن "باكيج متكامل" تصل تكلفته إلى عشرات آلاف الدنانير. وبهذه الطريقة صارت أخبار وصولات وجولات ودعايات وندوات وتصريحات المرشح المستقل، أو مرشحي الكتل السياسية، تنافس الأخبار المحلية والعربية والعالمية. وترتبط الظاهرة الرابعة بالطقوس الانتخابية الكويتية. وبسبب غياب النظام الحزبي، وعدم وجود حزب في السلطة، يصبح التهجم على الحكومة ونقدها هو الخبز اليومي للمرشحين، بما في ذلك أولئك المحسوبون على الحكومة نفسها. وتبدو الحكومة معتادة في المواسم الانتخابية على التعرض لفاصل طويل من الانتقادات والتهجم، دون أن ترد على سيل الانتقادات تلك. وقد تكونت علاقة طردية بين الهجوم على الحكومة وارتفاع شعبية المرشحين، والرضا الشعبي عنهم. ولذا تؤكد جميع الكتل والتيارات السياسية على التغيير، وتشدد على الإصلاح، وتريد إصلاح الأوضاع التعليمية والصحية والإسكانية في الكويت. ويركز جميع المرشحين على المستقبل ويدعون للتفاؤل والأمل وعدم الاستسلام. والظاهرة الخامسة هي التشابه في شعارات الكتل السياسية والمرشحين المستقلين. حيث إن الجميع يريد العمل لمصلحة الكويت والكويتيين. وهناك مسحة مبالغ فيها من التفاؤل والثقة والأمل، وتأكيد الحاجة والقدرة على التغيير إلى حياة ومجتمع أفضل. أما الظاهرة السادسة فهي تقرب جميع الكتل السياسية والمرشحين من المرأة، وخطب ودها، وإقامة الندوات باسمها، والإعلان عن الوقوف مع قضاياها ومطالبها، فيما تستمر المرأة ظاهرة عددية لا تقتنع بالتصويت ومنح صوتها للمرشحات في الانتخابات. وتتمثل الظاهرة السابعة في الغياب الكلي للقضايا الإقليمية والدولية الضاغطة. فلا حديث ولا نقاش عن الوضع في العراق والملف النووي الإيراني. ولا أحد يتناول خطر "القاعدة" وتهديد الإرهاب، في انغماس وغرق كلي في الشأن المحلي، وكأن جميع القضايا والتهديدات الخارجية قد انتهت. والظاهرة الثامنة نهاية عصر الانتخابات والحملات الانتخابية البسيطة ورخيصة التكاليف والقائمة على التواصل الفردي. وأيضاً نهاية ظاهرة مرشحي الخدمات، ومن لا يملك قدرات خطابية وإمكانيات في الحوار والإجابة المقنعة على الأسئلة وبلورة خطط مستقبلية. وسؤال الواقع الجديد في العملية السياسية الكويتية هو كيفية التعامل مع جيل الإنترنت والفضائيات، دون أن يشكل ذلك القدرة على التغيير الحقيقي الذي يبقى بعيد المنال في ظل المعطيات القائمة. والمؤلم أن جميع برامج وإعلانات الكتل والمرشحين لن تبصر النور، وستبقى مجرد شعارات وبرامج. والسبب عدم توفر أغلبية لأي كتلة أو تيار. وحتى الحكومة لن تملك ذلك ومثلها مجلس الأمة. ولذا ربما ستستمر المعاناة، ونعيد إنتاج أزماتنا، ونعود للمراوحة المملة والانتخابات المبكرة والمتكررة.