حذر وزير بريطاني نهاية الأسبوع الماضي من أن أية محاولة لتقنين إنتاج الأفيون بأفغانستان، لاستخدامه للأغراض الطبية، سوف تؤدي بالتبعية إلى زيادة في حجم ما يوجه منه إلى تجارة المخدرات. وبنى الوزير تحذيره هذا على أن أي إجراء لتقنين محاصيل الخشخاش الذي ينتج منه الأفيون، سيرفع من أسعاره، وبالتالي يجعله محصولاً أكثر جاذبية اقتصادية للمزارعين الأفغان، مما سيزيد من المساحات المزروعة منه، ومن ثم من حجم المتوفر من الأفيون للتهريب والاتجار. ويأتي هذا التحذير في أعقاب تواتر المطالبات داخل المجتمع الطبي، بضرورة زيادة الإنتاج العالمي الشرعي من الأفيون، بسبب النقص الحاصل حالياً في ما هو متوفر منه للأغراض الطبية. وليس من الواضح سبب النقص الحالي في المتوفر من الأفيون، وإن كان المعروف أن المورفين الذي يستخلص من الأفيون، يتم استخدامه حالياً على نطاق واسع لغرض تخفيف الآلام الحادة، كما هو الحال بعد العمليات الجراحية، أو المغص الكلوي الشديد، أو لتخفيف آلام مرضى السرطان في أيامهم الأخيرة. ويرى البعض أن تزايد حدة الصراعات العسكرية حول العالم، كما هو الحال في العراق وأفغانستان، قد زاد من طلب الخدمات الطبية العسكرية على تخزين المورفين، وهو ما أدى إلى نقص عالمي في المتوفر للأغراض الطبية الأخرى. فبخلاف الأربعة آلاف جندي أميركي الذين وقعوا صرعى في العراق، تشير بعض التقديرات إلى وقوع عشرات الآلاف جرحى لذلك الغزو المشؤوم. ويعتبر حقن الجندي بالمورفين عند تعرضه لإصابة جسيمة، هو الإجراء الروتيني المعتاد في الإسعافات الأولية المقدمة في مثل هذه الظروف. وبالنظر إلى عدد الجرحى الأميركيين في العراق، يمكننا أن نتخيل كميات المورفين التي يتم استهلاكها حالياً، والتي يتم تخزينها للاستخدام المستقبلي. ولطالما اقترنت تجارة الأفيون بالحروب والصراعات العسكرية، بداية من حربي الأفيون بين الصين والإمبراطورية البريطانية في منتصف القرن التاسع عشر، واللتين امتدت كل واحدة منهما لعدة سنوات. فمع اكتشاف الأوروبيين لطرق التجارة البحرية المباشرة مع الشرق، تكالب البريطانيون على البضائع الصينية، مثل الشاي، والحرير، والبورسلين، دون أن يترافق ذلك مع طلب مماثل من الصينيين على البضائع البريطانية. وهذا الاختلال أدى إلى عجز هائل في الميزان التجاري بين الصين وبريطانيا، كان البريطانيون يدفعون ثمنه أطناناً من الفضة. وأمام هذا الموقف، عمد البريطانيون إلى تصدير الأفيون من الهند لسد العجز التجاري، وهو ما نجحوا فيه بشكل كبير خلال سنوات قليلة، وأدى إلى انسياب الفضة في الاتجاه المعاكس. ولكن بسبب تزايد عدد المدمنين الصينيين بشكل هائل، قام الإمبراطور الصيني بمنع وتحريم بيع وتعاطي الأفيون، وهو ما اتخذته الإمبراطورية العظمى ذريعة لشن حرب على الصين، انتهت بتوقيع اتفاقيات تجارية مجحفة، وانتزاع هونج كونج كمستعمرة لبريطانيا لمدة تسعة وتسعين عاماً. واستمرت العلاقة بين المورفين والصراع العسكري المسلح أثناء الحرب الأهلية الأميركية، والتي تعتبر نقطة تحول من استخدام الأفيون بشكله الطبيعي إلى استخدام المورفين المستخلص منه. وفي العصر الحديث، وكما استغلت بريطانيا الأفيون سبباً للحرب ضد الصين، روجت الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر لادعاء مفاده أن نظام "طالبان" يدعم زراعة الأفيون، ويستغل العائد لتمويل العمليات الإرهابية من خلال تنظيم "القاعدة". والحقيقة النادرة الذكر، هي أن نظام "طالبان" حرم زراعة الأفيون، وحقق أكبر نجاح في خفض الإنتاج السنوي في تاريخ البلاد. وهو ما يتضح من بيانات مكتب الأمم المتحدة للجريمة والمخدرات (UNODC)، والتي تظهر أنه منذ سقوط "طالبان"، ارتفعت معدلات إنتاج الأفيون في أفغانستان لمستويات غير مسبوقة إلى درجة أن مساحات الأرض المزروعة حالياً في أفغانستان بنبات الخشخاش الذي يستخلص منه الأفيون، تزيد عن مثيلتها في أميركا الجنوبية المستخدمة لزراعة نبات الكوكا الذي يستخلص منه الكوكايين. ولذا نجح الأفغان العام الماضي في الفوز بنصيب الأسد من حجم الإنتاج العالمي من الأفيون، وبنسبة 93% من المتوفر منه في الأسواق الدولية لغرض التجارة غير الشرعية. ومثل هذا الإنتاج القياسي سيؤدي حتماً إلى زيادة عدد المدمنين بسبب انخفاض السعر، وزيادة عدد الوفيات الناتجة عن فرط الجرعة بسبب زيادة نقاء الجرعات المتوفرة لهؤلاء المدمنين. وهو ما حذر منه رئيس مكتب الأمم المتحدة للجريمة والمخدرات، "أنطونيو كوستا"، في رسالة مباشرة إلى عمد المدن الأوروبية، طالباً منهم الاستعداد لزيادة ملحوظة في عدد المدمنين وقتلى الإدمان بين سكان مدنهم. وتبقى المفارقة المأساوية الأولى، هي أن الجنس البشري كان يستخدم الأفيون منذ عصر قدماء المصريين لأغراض العلاج فقط، إلى أن قام الأوروبيون بترويجه والاتجار به على نطاق عالمي، والآن ارتد السهم عليهم لتبتلي مدنهم ومجتمعاتهم وشبابهم بهذه الآفة. أما المفارقة الثانية المأساوية أيضاً، فهي استغلال الأميركيين للأفيون كذريعة لإسقاط نظام "طالبان"، إضافة إلى الأدلة حينها عن العلاقة بين تنظيم "القاعدة" وهجمات الحادي عشر من سبتمبر. والآن، وبعد قرابة السبعة أعوام على زوال نظام "طالبان"، وبعد إنفاق مئات المليارات من الدولارات، وسقوط قرابة الثمانمائة قتيل بين قوات التحالف الدولية، وصلت معدلات إنتاج الأفيون الأفغاني إلى مستويات قياسية غير مسبوقة، ودون حتى أن يتم العثور على أسامة بن لادن أو الملا عمر. د. أكمل عبد الحكيم