قبل أسابيع قليلة من ذكرى نكبة 1948 التي اتسمت بمذابح عديدة ارتكبتها القوات الصهيونية ضد المدنيين العرب، قررت الترسانة العسكرية الإسرائيلية أن تذكرنا بهذا الطابع، في الشهر نفسه الذي ارتكبت خلاله مذبحة قرية دير ياسين منذ ستين عاماً، وهو شهر أبريل قامت قوات الاحتلال بإبادة أسرة كاملة في قرية بيت حانون مكونة من أم وأربعة من أطفالها. الفارق من حيث التوقيت أن مذبحة دير ياسين ارتكبت في التاسع من أبريل 1948 ومذبحة بيت حانون ارتكبت في الثامن والعشرين من الشهر نفسه عام 2008. أما القاسم المشترك الأول بين الجريمتين فهو وحدة الدافع الممثل في إرهاب المدنيين العُزّل، إما لدفعهم إلى الهروب خارج أراضيهم أو لإجبارهم على الاستسلام التام. أما القاسم المشترك الثاني، فهو استمرار الأسلوبين الإسرائيليين في غسل اليدين من الدماء العربية التي تُراق من مدنيين غير محاربين، أحدهما أسلوب إبداء الأسف لسقوط الضحايا تمهيداً لارتكاب المذبحة التالية بيدين نظيفتين من دماء الضحايا السابقين. هكذا أعرب إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي عن أسفه بعد نشر صور الأطفال الأربعة وهم جثث هامدة وهي صور تتحدث بذاتها عن منهج منظم لقتل المدنيين. قال أولمرت "إن إسرائيل وحكومتها تأسفان بالغ الأسف لأي ضرر يلحق بمواطن غير ضالع في عمليات مسلحة وبالتأكيد للضرر الذي لحق بأم وأطفالها الأربعة". هذا الأسف العلني ليس الأول من نوعه في التاريخ الإسرائيلي، ولن يكون الأخير طالما بقي الدافع الصهيوني وهو تفريغ أرض فلسطين من سكانها العرب لتخلو للمشروع الصهيوني. إحساس الحرج الذي يتولى قطاعاً من النخبة السياسية والإعلامية والثقافية في إسرائيل أمام العالم وأمام النفس عندما يذيع أمر إحدى المذابح هو مجرد إحساس عابر جراء وطأة الفضيحة لدولة تدعي الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان. ولعل التعليق الذي كتبه "إيتان هابر"، أحد كبار الكُتاب بصحيفة "يديعوت أحرونوت" يوضح هذا الطابع. قال "هابر": "إن يوم المذبحة للأم وأطفالها كان أحد الأيام التي يجب التنصل منها بدخول المرء إلى فراشه والاختفاء بكامل جسده من الرأس إلى القدمين تحت غطائه، أو حتى الاختباء تحت المنضدة، والدعاء في صبر أن يأتي خبر جديد مختلف، ليحتل مكان خبر المذبحة في عناوين الصحف والنشرات في أسرع وقت". المعلق الإسرائيلي هنا يصف بدقة نوع المشاعر الإسرائيلية لدى قطاع من النخبة تجاه الضحايا العرب، إنه إحساس الخجل والحرج أمام النفس وأمام العالم، وهو إحساس عابر مؤقت قصير المدى لا يدفع الإسرائيليين إلى مراجعة الدافع وتغيير السلوك تجاه العرب وحقوقهم، بل يدفعهم إلى إخفاء رؤوسهم كالنعام إلى أن يتغير المشهد ويغفل العالم عن المذبحة والجريمة. هذا الموقف لا يعبر عن كل الإسرائيليين، فهناك قطاع آخر من النخبة الإسرائيلية غير مستعد للدخول في مشاعر الحرج والخجل من الجريمة المتكررة. ومن هنا يفرض الاعتراف ولو ضمنياً بالطابع اللاأخلاقي للمذابح الصهيونية ويسعى إلى تبريرها. من النماذج الجديدة في هذا الإطار ما كتبه "أوري أورباخ" تعليقاً على مذبحة بيت حانون حيث يقول إن مصرع عائلة بيت حانون ليس ناتجاً عن اختلال أخلاقي، بل عن خطأ في العمليات العسكرية ويرتب على هذا التبرير بالتالي تبريراً أوسع لاستمرار المذابح، فيرى أن المشكلة كامنة في رفض الفلسطينيين التسليم بالواقع الذي يلزمهم بالاكتفاء بأراض قليلة، فالبديل أنهم سيجدون ما سيبقى لهم أقل من القليل الذي يملكونه اليوم. هنا يفصح المعلق عن دافع التوسع الصهيوني. نموذج المعلق "أورباخ" هو نموذج آخر لغسل اليدين من دماء الضحايا العرب ليس من خلال إبداء الأسف، بل من خلال ترسيخ الدافع الصهيوني في التوسع وإعلاء شأنه في نفوس القراء الإسرائيليين لتبقى المشكلة في أذهانهم متعلقة بعدم واقعية الشعب الفلسطيني وعدم استسلامه للأمر الواقع. وهكذا تتحول جريمة المذابح إلى وسيلة ضرورية في هذا النموذج الفكري الصهيوني اليميني لتربية الفلسطينيين وتعليمهم الواقعية والحرص على القليل الذي يملكونه من الأرض حتى لا يتعرضوا للبديل الأسوأ وهو فقد القليل وفقد الأطفال في الوقت نفسه.