منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، بدأ المشهد العالمي يتحول نحو عودة "العامل الديني"، وتراجع الأيديولوجيات العلمانية والقومية والاشتراكية، الأمر الذي خلق عالماً جديداً بكل سماته السياسية والفكرية والثقافية التي لا تزال مهيمنة وفاعلة في النظام العالمي. وفي هذا السياق، استرجع العالم سلطة الأديان المنزلة، فأضحى الغرب متمسكاً بالتراث المسيحي، وإسرائيل بالتراث اليهودي، والتنظيمات الإسلامية بالتراث الإسلامي، فأصبحت الهوية الدينية على جدول اهتمامات العالم، وقد ساهم في ترسيخها انهيار الأيديولوجيات العلمانية. وهذه الرؤية الدينية للأمور رسخها عدد من المثقفين جاء في طليعتهم "فوكوياما" و"هنتينغتون"، بمعنى الاستعانة بالدين ليس اقتناعاً بدوره الروحاني بقدر ما هو محاولة لإضفاء شرعية على سياسات جديدة للسيطرة على العالم. وبما أن الدين لم يكن يوماً مكوناً من مكونات الهوية، تظهر في بعد جديد، إشكالية جديدة للقضية الفلسطينية وصعوبة إيجاد حل لها: فرغم كل الجهود المبذولة، وبعيداً عن أحاديث المساعي الغربية والأميركية لإحلال السلام، فإن التسوية النهائية بين الفلسطينيين والإسرائيليين هدف صعب المنال. فالتنوع العرقي الكامن في فكرة "الدولة اليهودية" من خلال ما يسمى "القومية اليهودية" هو "عرقي" بحت ولا يشبه المواطنة في شيء. وفي هذا النطاق، نركز على دراسة مهمة وضعها "رجا كمال" عميد تنمية الموارد في كلية "هاريس" للسياسات العامة بجامعة شيكاغو بعنوان "قلق إسرائيل الديموغرافي"، حيث يؤكد بأن "الطرفين يعتنقان أسساً دينية متزايدة كحافز لسياسة أحدهما تجاه الآخر. وربما أكثر مدعاة للفزع هو أن هذا الحماس الديني قد يكون متمحوراً حول التغيرات الديموغرافية التي تجري في إسرائيل. هذه التغيرات قد تُثبت بأنها الأشد تحدياً أمام واضعي السياسة الذين يسعون إلى إيجاد حل سلمي للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي". ويضيف: "عنصران ديموغرافيان بارزان يؤثران على سياسات إسرائيل: ازدياد القطاع الأرثوذكسي (اليهودي) المتطرف من السكان، والهجرة المعاكسة لعلماء إسرائيل ومفكريها وباحثيها". ووفق إحصاءات الحكومة الإسرائيلية، فإن نسبة المواليد العالية بين اليهود المتشددين تبلغ 7.6 طفل لكل امرأة، أي ثلاثة أضعاف نسبة زيادة السكان في الدولة الصهيونية. وفي مجتمع منقسم سياسياً كما في إسرائيل، فإن من شأن ذلك، كما يرى "رجا كمال" أن "يتيح لحزب ديني صغير ممارسة سلطة قوية على حكومة ضعيفة نسبياً". وهو ما نراه واضحاً من خلال سياسة الاستعمار- "الاستيطان" الإسرائيلي المستمرة رغم الرفض العالمي، والتي تتبناها أحزاب دينية صغيرة على رأسها "شاس"، ولا يملك رئيس الوزراء الضعيف إيهود أولمرت إلا الاستجابة "لأوامرها". ويضيف "رجا كمال"، مُركزاً على مسألة الزيادة غير المسبوقة في هجرة علماء إسرائيل ومفكريها وباحثيها إلى الخارج، أنه حسب التقديرات الأخيرة، يعيش 25% من مجموع العلماء الإسرائيليين في الولايات المتحدة، بعد أن أصبحت أرض "السمن والعسل" أرضاً طاردةً للعلماء الذين تعلموا في الجامعات الإسرائيلية وخدموا في الجيش وبنوا حياتهم وأقاموا عائلات في إسرائيل. وبحسب البروفيسور "دان بن ديفيد" من جامعة تل أبيب فإن الهجرة إلى الخارج تتصل بالرواتب المتدنية نسبياً التي تدفعها إسرائيل، وكذلك شح تمويل مختبرات الأبحاث، إضافة إلى أن "الحروب الشاملة واستمرار الإرهاب قد كلفا ثمناً كبيراً في الأرواح، كما تسببت في الأمراض النفسية". وفي تقرير حديث لصحيفة "يديعوت أحرونوت" فإن عاملين بارزين يدفعان العلماء والأكاديميين البارزين للرحيل إلى أميركا: أولهما أن الحلم الصهيوني أصبح عديم الجذب مقارنة بالدولار الأخضر، وثانيهما كون الوضع الأمني في إسرائيل بالغ التوتر طوال الوقت. وبذلك فإن إسرائيل التي "لا ترغب بخسارة أي عنصر بشري مهما كان تعليمه"، ترى في هذه الهجرة دليلاً على فشل السياسة الصهيونية التقليدية التي تريد جذب يهود العالم للهجرة إلى إسرائيل وليس الهجرة منها إلى الخارج. لكن المؤكد أيضاً أن "خسارة هؤلاء تأتي متزامنة مع نمو اليمين المتطرف الأقل استعداداً لتقديم التنازلات"، الأمر الذي ترى فيه إسرائيل خطراً على "الهوية اليهودية الإسرائيلية" في ظل النمو السكاني لفلسطينيي 48، وبهذا يكون الصراع في جوهره نتيجة خوف من التغيرات الديموغرافية. ويرى مراقبون متزايدون أن إسرائيل تخسر الآن "المعركة الديموغرافية" في مواجهة الفلسطينيين الذين سيصبحون غالبية مع تراجع عدد المهاجرين اليهود إليها. وبحسب الخبير الديموغرافي الإسرائيلي "سيرجيو دو لا بيرغولا" فإن الاتجاه واضح للغاية: "قبل نهاية العقد الحالي سيصبح اليهود أقلية في الأراضي التي تضم إسرائيل والضفة والقطاع". وأضاف: "السكان اليهود اليوم ليسوا غالبية إلا بشكل بسيط بين البحر المتوسط ونهر الأردن". واستناداً إلى التوقعات الديموغرافية فقط، اعتبر "دو بيرغولا"، وكذلك مسؤولون سياسيون، أنه "لا يمكن لإسرائيل البقاء دولة ديمقراطية ويهودية إذا احتفظت بسيطرتها على الأراضي الفلسطينية". ومما يجدر ذكره أن الحركة الصهيونية قررت منذ نشأتها أن "مصيبة" الذوبان في المجتمعات الكبيرة وحدوث الأزمات الاقتصادية والاضطهادات التي عصفت باليهود، سببها وجودهم في "المنفى" وأن الحل الوحيد هو الخروج الكامل من هذا "المنفى". لكن وبعد مرور 60 عاماً على قيام دولة إسرائيل، مازال ثلثا يهود العالم يعيشون خارج هذه الدولة. إن التوجه الديني (الذي تحدثنا عنه أعلاه)، لا يقتصر على إسرائيل وحدها. ففي الولايات المتحدة مثلاً هناك المحافظون الجدد الذين يتمسكون بما يسمى التراث اليهودي -المسيحي، وعندنا في فلسطين هناك "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، وبالقرب منا في لبنان "حزب الله"، وحركة "الإخوان المسلمين" على امتداد العالم العربي، وباقي أوجه الأصولية الدينية في معظم الدول الإسلامية، وغيرها الكثير من الحركات الدينية على امتداد العالم وهي في معظمها تمزج الديني بالسياسي. وحقاً، بوعي أو بدون وعي، منحت الولايات المتحدة، "أمة المؤمنين"، زخماً جديداً لهذه التوجهات في عهد الرئيس بوش، راسمةً للعالم صورة مزدوجة لمحاولات الترويج لما يسمى التقليد اليهودي -المسيحي متمثلاً في أيديولوجية "المحافظين الجدد" وشخص جورج بوش "المسيحي المولود من جديد". لقد تحولت الأصولية الدينية المتطرفة في إسرائيل، إلى حاجز فاصل داخلياً أي بين اليهود أنفسهم (وإزاء الفلسطينيين وباقي العرب)، مع شعور دائم بالخطر، بعد أن فشلت "الدولة" في بلورة فكر ومسلك "وطنيين" يقومان على المواطنة والمساواة والمشاركة، والديمقراطية والتعددية، بما في ذلك التعددية الدينية، مع تأكيد المصالح الوطنية والاقتصادية المشتركة والروابط الثقافية واللغوية والتاريخية المشتركة. ويبقى عامل العداء للفلسطينيين وغيرهم من العرب العامل الأكثر أهمية في إسرائيل لتوليد مصلحة حياتية وثقافية واقتصادية واجتماعية مشتركة لخلق "انتماء" مشترك واحد، و"هوية" مشتركة واحدة. وبذلك، فإن العامل الديموغرافي كان، وسيبقى، فاعلاً في أي حلول تسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين.