يحدثنا ابن رشد أنه كان ينوي شرح كتاب أرسطو في السياسة كما فعل بالنسبة لكتبه الأخرى، ولكن لما لم يجد الكتاب اضطر (ولاشك أن ذلك بسبب استعجال صديقه أبي يحيى الذي كان يعد العدة لخلافة أخيه المنصور الموحدي) إلى تعويضه بتلخيص كتاب السياسة "الجمهورية" لأفلاطون -وقد شرحنا ذلك في المقال السابق. وهذا الانتقال من أفلاطون إلى أرسطو يطرح ثلاث مشاكل على الأقل! ومن خلال تتبع تموجات فكر ابن رشد في هذا العمل يحس المرء بأنه قد واجه فعلاً هذه المشاكل وحاول تجاوزها، فلنتعرف على الكيفية التي فعل بها ذلك. - أولى تلك المشاكل تتعلق بالمهمة المطلوبة منه: إن صديقه الأمير المتفلسف كان يريد -بدون شك- كتاباً في السياسة يكون له مُعيناً على النجاح في مشروعه كأمير يعد العدة، ليتسلم الخلافة بعد أخيه المنصور الذي كان يعاني من مرض "يئس منه الأطباء"، كتاباً "براجماتي" المضمون والطابع، مثل رسالة "الخاصة" لابن المقفع التي رفعها لأبي جعفر المنصور العباسي يشرح فيها وجهة نظره في إصلاح الدولة. وهذا النوع من الكتب يتناقض مع كتاب أفلاطون، كما يتناقض مع استراتيجية ابن رشد سواء في التأليف أو في الشروح والتلخيصات التي عملها لكتب أرسطو. وثانية هذه المشاكل تتمثل في كون "المدينة الفاضلة" التي حدد أفلاطون الأساس الذي يجب أن تقوم عليه والكيفية التي يجب أن تشيد بها وشروط رئاستها... الخ، مدينة قد تبين في نهاية الأمر ولأفلاطون نفسه، أن مكانها يقع ليس في أرض البشر بل في سماء التصورات المثالية، هذا في حين أن المطلوب من ابن رشد هو الكتابة عن مدينة فاضلة مكانها أرض البشر، وبالذات الأندلس في عهده. وثالثة هذه المشاكل تتعلق بأسلوب أفلاطون: فكتابه الجمهورية هو "محاورة" بين أطراف متعددة من المجتمع اليوناني لكل رأي، ولكلٍّ درجة من المعرفة بالشأن السياسي في المدن اليونانية، وجميعهم يستحضرون الثقافة اليونانية بما فيها الأساطير ونتاج الخيال، أما دور أفلاطون فكاد يقتصر على إدارة الحوار وتوجيهه، وإن كان "كل الصيد في جوف الفرا"! وهذا كله يتناقض مع فكر ابن رشد: فهو كأرسطو واقعي الرؤية، برهاني المنهج. كيف تغلب ابن رشد على هذه المشاكل؟ - بالنسبة للمشكلة الأخيرة يخبرنا ابن رشد أنه سيقتصر على تلخيص (وتخليص) "الأقاويل العلمية" التي في كتاب أفلاطون، وذلك بتحويله من نص حواري جدلي إلى نص يعتمد التحليل والتركيب، مع التخلي عما لا يدخل في حقل العلم، كالحكايات والأساطير وما شابه. إن الأمر يتعلق هنا بالارتفاع بالفكر السياسي من مستوى "الجدل" إلى مستوى "العلم". وكان أرسطو قد فعل ذلك في كتابه "السياسة"، ولكن عدم تمكن ابن رشد من الحصول عليه اضطره إلى "النيابة" عن المعلم الأول باعتماد تصنيفه للعلوم. وبما أن فيلسوفنا كان يتوفر على كتاب أرسطو في "الجزء الأول" من العلم المدني أعني كتاب "الأخلاق إلى نيقوماخوس"، فقد سهل عليه بناء الجزء الثاني من هذا العلم وهو "السياسة" على أساسه. - من هنا سيعمل ابن رشد على تجاوز المشكلة الثانية وسيتخلص من النتيجة التي انتهى إلها أفلاطون، وذلك من خلال النظر إلى المسألة السياسية، لا من زاوية تشييد النموذج المثالي بعيداً عن معطيات الواقع، بل من زاوية النظر إلى الممكن الواقعي وبناء الإصلاح على أساسه، وصولاً بالتدريج إلى تحول الممكن الذهني إلى واقع فعلي. سيكون على ابن رشد إذن أن يبين كيف أن المدينة الفاضلة ممكنة على هذه الأرض. وأن الطريق المسدود الذي انتهى إليه أفلاطون ليس وحده الطريق الممكن لأن الشؤون الإنسانية -كما يقول- هي مجال الإرادة، فلا تحكمها الحتمية التي تحكم الظواهر الطبيعية. وسيكون عليه أيضاً، ما دام يكتب بطلب من أمير يقدم نفسه كبديل للحكم القائم الذي تميز في آخر عهده بالاستبداد والقمع أن يبتهل هذه الفرصة للتعبير عن آرائه السياسية من خلال نقد مباشر لنظم الحكم في التجربة الحضارية العربية الإسلامية بكيفية عامة، وفي بلده الأندلس بكيفية خاصة، وفي زمنه هو بكيفية أخص. لنترك هذا الجانب إلى حين، ولنقل كلمة حول منهج ابن رشد في استخلاص "الأقاويل العلمية" من "محاورة الجمهورية" لأفلاطون. يتعلق الأمر، بعبارة، أخرى بعملية التأسيس العلمي لمضمون هذه المحاورة. والمرجع في مسألة "التأسيس العلمي" للمعرفة كان أرسطو، وقد بقي وحده المرجع إلى القرن السادس عشر الميلادي (إلى جاليلو وديكارت). لقد صنف أرسطو العلوم إلى قسمين: القسم الأول هو "العلم النظري"- ويقدم معارف من شأنها أن يعلَمها الإنسان دون أن يكون عليه أن يعمَلها، والمقصود الأول منها هو "العلم لذات العلم"، ويشتمل هذا القسم على الحساب والهندسة والفلك والموسيقى والطبيعيات العامة والعلوم المتخصصة في الظواهر الطبيعية المختلفة بما ذلك علم النفس والطب وعلم الطب. أما القسم الثاني فهو "العلم المدني" ويضم المعارف التي من شأنها أن يعلمها الإنسان ويعملها، والمقصود الأول منها هو "العمل"؛ وهي جزءان: الأول هو "علم الأخلاق"، وموضوعه تدبير النفس بهدف الحصول على كمالاتها، والثاني موضوعه تدبير المدينة بهدف الحصول على كمالاتها، وهو علم "السياسة". "السياسة"- إذن، جزء من العلم المدني وهي جزؤه الثاني. أما ما يؤسسها علمياً فهو نفس ما يؤسس الأول: الأخلاق. وما يؤسس "علم الأخلاق" هو "علم النفس". ذلك لأن موضوع علم الأخلاق هو "الملَكات والأفعال الإرادية والعادات جملة"، وهذه يُبحث فيها بحثا علميا في "علم النفس"، وهو جزء من "العلم الطبيعي"، لأن النفس، في أكثر أحوالها لا تنفعل ولا تفعل إلا بالجسم": فالفرح والحزن والشجاعة والغضب وغيرها من الأحوال النفسية مرتبطة بالجسم ارتباطاً عضوياً، والجسد جسم كسائر الأجسام، فهو موضوع للعلم الطبيعي. والعلم الطبيعي، في نظر ابن رشد، هو النموذج للعلوم كلها لأنه يعتمد الحس والعقل معاً، المشاهدة والملاحظة والاستنباط. العلم الطبيعي يؤسس علم النفس، وعلم النفس يؤسس علم الأخلاق، هذا شيء واضح! فكيف يؤسس علم الأخلاق علم السياسة؟ واضح أن المقصود بـ"السياسة" هنا هو "تدبير المدينة"، وواضح كذلك أن المقصود بالمدينة ليس أرضها ولا مساحتها ولا منازلها ومبانيها، بل المقصود هم أهلها، ولكن لا من جهة أنهم أجسام، بل من جهة أنهم نفوس تسعى إلى الحصول على كمالاتها في عيشها المشترك. وإذن فإذا كان "علم الأخلاق" هو علم تدبير نفس الفرد، فإن السياسة هي تدبير نفوس الجماعة. وبالتالي فما يصدق على الفرد يصدق على المجموع لأنهما (الفرد والمجموع) من نوع واحد وهو الإنسان. وإذن فـ"النموذج العلمي" الذي يجب أن يُقرأ موضوع "علم السياسة"، أي "المدينة"، على ضوئه وبواسطته هو "النفس"، نفس الإنسان، كما يفهمها علم النفس الأفلاطوني- الأرسطي. وهكذا فكما أن النفس هي جماع ثلاث قوى هي: القوة الناطقة العاقلة وفضيلتها المعرفة والحكمة، والقوة الغضبية وفضيلتها الشجاعة، والقوة الشهوانية وفضيلتها العفة، فكذلك المدينة: تكون حكيمة في مذهبها الفكري الذي به تسود جميعَ أجزائها، على النحو الذي يكون به الإنسان حكيماً بالعقل "الذي يسود به على جميع قواه النفسانية، وذلك بأن يتحرك (الإنسان) إلى الأشياء التي ينبغي أن يتحرك إليها، بالمقدار الذي يقدره العقل وفي الوقت الذي يعينه. فالإنسان يكون شجاعاً بالجزء الغضبي (من النفس)، في المكان والزمان وبالمقدار الذي توجبه الحكمة. فهو إنما يكون شجاعاً بالجزء الغضبي (من النفس) إذا استعمله فيما يوجبه العقل، وفي الوقت الذي يجب والمقدار الذي يجب. وكذلك الشأن في (فضيلة) العفة وفي سائر الفضائل. وبالجملة يكون (الإنسان) فاضلاً بجميع الفضائل العقلية والخلقية، وتكون الرياسة فيه كرياسة هذه الفضائل بعضها على بعض".