بالرغم من أن حل "مجلس الأمة" الكويتي كان متوقعاً، فإن الجميع يبدو وكأنهم فوجئوا بالقرار، الأعضاء السابقون، الرجال، النساء، الناخبون والمرشحون، المختصون وعامة الجمهور، بل وحتى الجهات التي تقدم خدماتها في مجال الإعلان ونصب المقار الانتخابية وتقديم الولائم! وما إن بدأ الاستعداد للانتخابات القادمة والتي ستجرى يوم 17 مايو 2008، حتى امتلأت الصحف الكويتية والقنوات التلفزيونية الخاصة والإنترنت بالأخبار والحوارات والمقالات والتصريحات، بانتظار "اليوم الموعود"! سأحاول فيما يلي تقديم لمحات من هذه المداولات والحوارات للقارئ، محاولاً التركيز على ما له قيمة عامة ودلالة في أحوال ومصائر الديمقراطية في العالم العربي. في الحوار الذي أجرته صحيفة "السياسة" الكويتية، قال د. سليمان العسكري، رئيس تحرير مجلة "العربي"، إن في الدستور الكويتي بخصوص تشكيل الحكومة مشكلةً كبيرةً، لم تُناقش خلال الخمسين سنة الماضية، وهي أن النظام الديمقراطي غير الحزبي لا يسمح للحكومة بتأمين أغلبية، كما هو موجود في الأنظمة الديمقراطية والبرلمانية في العالم، وهو الأمر الذي يتيح للحكومة تنفيذ برامجها ومشروعاتها بدعم من هذه الأغلبية البرلمانية. وبالطبع فإن هؤلاء النواب لم يكونوا منطلقين من أحزاب أو من تكتلات قوية في الشارع، وعليه كانت الحكومة تتصيد النواب كلاً حسب مصلحته. "فهذا تستقطبه مقابل إطلاق يده في تحقيق منافع معينة، وهذا تدعمه مادياً لقضايا معينة، وباتت الحكومة تنظر في مدى إمكانية شراء هذا النائب أو ذاك، إما بهذه الطرق أو حتى من خلال مضايقته، ومن المعروف أن هناك نواباً ضُويقوا خلال مسيرة العمل البرلماني وبشكل كبير ومنهم من خضع لهذه المضايقات ومنهم من لم يخضع". (6/4/2008). ومن المعروف أن المادة (80) من الدستور الكويتي تنص على ما يلي: "يتألف مجلس الأمة من خمسين عضواً يُنتخبون بطريق الانتخاب العام السري المباشر، وفقاً للأحكام التي يبينها قانون الانتخاب. ويعتبر الوزراء غير المنتخبين بمجلس الأمة أعضاء في هذا المجلس بحكم وظائفهم". بمعنى أن أي وزير تعينه الحكومة في منصبه يمتلك نفس حق التصويت على مختلف القضايا التي يناقشها المجلس. شارك في حوار جريدة "السياسة" الخبير الدستوري وأستاذ القانون العام بجامعة الكويت د. محمد المقاطع، وقال إنه "من الخطأ أن يكون رئيس الوزراء من الأسرة الحاكمة... إنني أعتقد أن الأسرة تورطت في إشكالية، تتمثل في أنها تريد الحكم بيدها والحكومة، وهنا لابد أن نقول إن الأسرة يجب أن تبقى مرجعية يلجأ الناس إليها عند الخلاف. ولهذا فإنني أعتقد أن الانتخابات المقبلة ستكون حلبة لإثبات مراكز القوى في الأسرة، فالكل يريد أن يثبت أن لديه قوة وغلبة في العملية السياسية والانتخابية... وكلنا نعرف أن هناك أقطاباً في الأسرة لديهم سيطرة على عدد من أعضاء مجلس الأمة إما بعلاقات أو بدعم أو بتسهيلات". وطالب د. المقاطع بأن تكون الحكومة ورئيسها من داخل المجلس، أي ممن يتم انتخابه مع النواب الآخرين، وأكد د. المقاطع أن أقطاب أسرة الحكم لها دورها في الانتخابات القادمة، "والواضح أن هناك الآن ثلاثة أو أربعة أقطاب رئيسيين يلعبون في هذا الجانب وكل منهم يحاول أن يظهر نفسه وكأنه مركز قوة". وأدلى د. عايد المناع، مستشار جمعية الصحفيين برأيه قائلاً إن الانتخابات القادمة "ستكون مفصلية بكل تأكيد" بعد أن كبرت الدوائر وضمت مناطق عديدة لكل منها، ولكن هل ستأتي هذه الانتخابات بجديد من حيث الجوهر؟ كلا! "أعتقد أنه لن يكون هناك تغيير كبير، لأن الموجود في المجتمع سيخرج لنا، فالمناطق القبلية سوف تُخرج لنا نواباً قبليين، والمناطق الطائفية ستُخرج لنا نواباً طائفيين، والمناطق التي بها ما بها من النخبة الاقتصادية ستُخرج لنا هذا النوع أيضاً... وبكل أمانة وأسف، فنحن نتراجع عن مفاهيم الديمقراطية، والتراجع واضح وحقيقي، فالطائفية والقبلية تعززتا عندنا وبشكل فاضح ومن أسبابها الرئيسية الانتخابات، سواء كانت انتخابات لمجلس الأمة وللمجلس البلدي أو للجمعيات التعاونية أو حتى لاتحادات الطلبة". ولنا هنا أن نتساءل ونناقش د. المناع في رأيه، فهل الانتخابات والديمقراطية في حد ذاتهما تشجعان الطائفية والقبلية أم الامتيازات والمفاسد والتسهيلات التي تنتظر بعض الفائزين وأعوانهم، والتي تجعلهم يستميتون في سبيل الفوز ويستغلون كل الأوراق الطائفية والقبلية والمنفعية التي تصل أيديهم إليها؟ بعكس د. العسكري، الذي يؤيد قيام الأحزاب لتكتمل الديمقراطية الكويتية، يعارض "د. المناع" هذا التوجه، فيتساءل: "هل الأحزاب هي الحل؟ أعتقد أن الذين يقولون إنها الحل يرون الصورة المثالية للأحزاب الديمقراطية في الدول الغربية، أما في دول العالم الثالث فليست هناك صورة حزبية نموذجية يمكن الاقتداء بها سوى تجربة وحيدة في الهند، وإذا ما أخذنا بالحزبية في الكويت، فمن يضمن لنا ألا تلبس الحزبية ثوب القبلية، فتقوم قبيلة كاملة وتنشئ حزباً"؟ وأبدى "المناع" يأسه من المخرج الحزبي لأزمة الديمقراطية الكويتية: "إنها أحلام وردية القول بأن الأحزاب ستكون هي المخرج، فهذا تفاؤل". أما بخصوص علاقة الأسرة الحاكمة بالانتخابات فقال: "الأسرة لا تزال حتى الآن تريد أن تكون شريكة في الحكومة التي يفترض أن تُشكل من الأغلبية البرلمانية، أو هكذا ظاهر النص الدستوري على الأقل، لكن الحاصل أن الحكومة تتشكل من أغلبية غير برلمانية ومن أقلية نيابية تتدنى إلى حد (المحلل)، كما نسميه". وأضاف د. المناع هناك وزارات تسمى بـ"السيادية" لن تتخلى عنها الأسرة إطلاقاً، بينما قد يضطرها العمل ضمن النظام الحزبي إلى التخلي عنها وعن رئاسة الحكومة، "وهذا هو الأفضل لهم كأسرة حاكمة، لكن في ظل الأوضاع الحالية لن يتخلوا عن هذا الوضع". شاركت في الحوار د. خالدة الخضر، المرشحة السابقة والحالية لعضوية المجلس، وطالبت د. الخضر بـ"مجلس منتج". ذلك أن الدولة "مقبلة على مشروعات كبيرة ورئيس الدولة أدى واجبه وعنده رؤية، وقال إنه يريد الكويت مركزاً مالياً واقتصادياً، والآن المفترض من المشرعين والوزارات أن يقوموا بكل ما يلزم لتحقيق هذه الرؤية". أوساط الحركة النسائية ورموزها والمرشحات للانتخابات، الجميع منشغل كذلك بالحدث القادم يوم 17 مايو. الجدل حول "كوتا" مشاركة المرأة والذي لا يزال موضع أخد ورد في الوسط النسائي، صار كذلك موضع اهتمام الرجل. رئيس لجنة شؤون المرأة في مجلس الأمة السابق صالح عاشور، طالب الجمعيات والشخصيات النسوية بالاتفاق فيما بينها أولاً حول الموقف من مبدأ "الكوتا" أو النصيب الثابت للمرأة. فـ"حتى الآن هن مختلفات فيما بينهن، فكيف نستطيع مساعدتهن في دخولهن البرلمان.. يردن تطبيق نظام الكوتا من خلال تخصيص مقاعد لهن في البرلمان، ولكن هذا الأمر صعب، لأنه يتطلب تعديلاً دستورياً، لذا فإن أفضل طريقة لمشاركة المرأة في مناصب السلطة التشريعية دخولها من خلال قوائم مع الرجال، على أن يتم تعديل قانون الانتخاب". وقال د. خلدون النقيب إن النساء ليس لهن أمل في دخول المجلس "إلا عندما تتشكل الأحزاب وتدخل عن طريق القوائم". (الدار، 16/4/2008). من أبرز مؤيدات نظام "الكوتا" القانونية نجلاء النقي، والتي تؤكد أن "الكوتا" نظام عالمي تبنته الأمم المتحدة، وهو حالياً يُطبق في 110 دول"، وتقول: "صحيح أن نسبة النساء في كل المجتمعات تفوق نسبة الرجال كما هو الحال في الكويت، ولكنهن في ذات الوقت يشكلن أقلية سياسية وأقلية في الوظائف القيادية والإشرافية، بدليل أننا لو قارنا نسبة الرجال في الوظائف القيادية والإشرافية سنجدها نسبة تفوق النساء بكثير جداً، وفي النهاية، فإن نظام الكوتا هو نظام مرحلي ومؤقت وليس نظاماً دائماً". ويرى آخرون بعض المخاطر في هذا النظام، "فنحن مجتمع له خصوصية، وقد تطالب القبائل يوماً هي الأخرى بكوتا في البرلمان، وكذلك نحن مجتمع مذهبي فلماذا لا يطالب الشيعة عندها بكوتا في البرلمان". والآن، هل سيكون أداء المرأة أفضل في الانتخابات القادمة، أم أن النتائج ستجعل من مبدأ فرض "الكوتا" أمراً لابد منه؟ هذا ما ينبغي أن نراه خلال الأسابيع القادمة!