في مؤتمر صحفي عقده في البيت الأبيض بمناسبة زيارة رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون إلى واشنطن، حمل الرئيس الأميركي جورج بوش بشدة على البرنامج النووي الإيراني، وقال إنه يشكل مقدمات خطيرة لقيام إيران بإنتاج أسلحة نووية، وإن الولايات المتحدة ليست من "السذاجة" لكي تصدق أن إيران لن تقوم مستقبلاً بتحويل قدراتها في مجال تخصيب اليورانيوم من إنتاج الطاقة النووية إلى إنتاج الأسلحة النووية. وعزز بوش تصريحاته تلك بالتساؤل قائلاً إنه إذا كانت طهران معنية بإنتاج الطاقة النووية لاستخدامها في الأغراض السلمية، فلماذا تقوم بالتعتيم الشديد على برامجها النووية وجعلها سرية؟ موضحاً أن الولايات المتحدة لديها هواجس منطقية من أن إيران لو سُمح لها بالمضي قدماً في برامجها التي تقول إنها سلمية، فإنها ستقوم بشكل مؤكد بتحويلها إلى إنتاج الأسلحة النووية. الرئيس بوش في تصريحاته تلك لم يأت بجديد، فالموقف الأميركي تجاه إيران بالنسبة لبرنامجها النووي معروف، ويتم تكراره المرة تلو الأخرى من مسؤولين أميركيين كبار في مناسبات متعددة، ولكن حتى الآن ورغم الجهود الدولية الحثيثة لثنْي إيران عن برنامجها بصورته الحالية، فإنها لا زالت مُصرة على موقفها المتشدد وتتحدى المجتمع الدولي وماضية في خططها المرسومة دون الالتفات إلى كل ما يدور حولها من محاولات ترهيب أو ترغيب، وتكرر بأن ما تقوم به حق مشروع لها ولا يمكن لأي طرف حرمانها منه، ولن تقوم هي من ذاتها بالتنازل عنه طواعية. ويبدو من ذلك أن الولايات المتحدة وحلفاءها الكبار ليس لديهم وسائل عملية للتأثير على إيران بشكل قوي، فكل ما قاموا به حتى الآن هو فرض أنواع مختلفة من العقوبات الاقتصادية عليها، والتي يبدو حتى الآن أنها غير مجدية وليس لها تأثير حقيقي على الحكومة أو الاقتصاد أو الشعب الإيراني، فكل ما قامت به الجهات والدول المعنية في هذا السياق لم يشكل حتى الآن ضغطاً اقتصادياً أو سياسياً كافياً على إيران، لكي تتزحزح عن موقفها الرافض للتخلي عن عملياتها وأبحاثها ومحاولتها حيازة اليورانيوم المخصب الذي يشكل عصب صنع القنبلة النووية. هذه الحالة الراكدة تترك أمامنا مجموعة من التساؤلات الحائرة التي لا يمكن الإجابة عليها بسهولة في هذا المقام وسنتركها لمقام آخر. يمكن القول إجمالاً إن قوى نووية كالصين وروسيا أو حتى الهند وباكستان، تفضل ألا ترى إيران وقد انضمت إلى النادي النووي لأسباب من بينها أن ذلك سيشجع أو سيدفع قسراً دولاً أخرى في المنطقة العربية وجوارها الجغرافي كتركيا أو السعودية وربما مصر وسوريا، إلى تطوير برامج تسلح نووي خاصة بها. إن دولاً كالصين وروسيا ضالعة لأسباب موضوعية في قضايا قطاع الطاقة الإيراني، فالصين تبحث بكامل جهودها عن مصادر مستقبلية للطاقة على مدار العالم، وروسيا هي التي تساعد إيران في بناء وتطوير مفاعل بوشهر على الخليج العربي. لذلك من غير المتوقع أن تصوت الصين وروسيا في مجلس الأمن لصالح فرض عقوبات صارمة ذات تأثيرات قوية على إيران، وكلتاهما عضو دائم في مجلس الأمن الدولي ولديها حق النقض "الفيتو". هذه الحقيقة تعطي إيران مساحة واسعة من المناورة التي تمكنها من مواجهة الضغوط الدولية الواقعة عليها. ويتضح من المشهد العام لمعضلة التسلح النووي الإيراني، أن الولايات المتحدة وجميع حلفائها في المجتمع الدولي تقف حائرة أمامها، فضمن البيئة السياسية الحساسة هذه لا يوجد أمر خطير وغير مجدٍ من مسألة الحديث عن القيام بتوجيه ضربة عسكرية إلى المنشآت النووية الإيرانية أو أية أهداف أخرى في إيران. وفي الوقت نفسه، فإن جميع المحاولات السلمية لثني إيران عن المضي قدماً في برنامجها النووي تبوء بالفشل حتى الآن. لقد صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بأن إيران لا يجب أن تحوز على السلاح النووي تحت أية ظروف، ويجب أن تمنع بأي ثمن، وسُئل قائد القوات الجوية الإسرائيلية إلى أي مدىً يود أن يذهب لمنع إيران من تطوير سلاحها النووي؟ فأجاب على سبيل السخرية والتهكم في شكل دعابة، بأنه سيذهب إلى مسافة ألفي كيلومتر، وهي المسافة بين إسرائيل وإيران. والواقع هو أن أية ضربة جوية ضد منشآت إيران النووية تعتبر مخاطرة كبرى، لأنها ستؤدي حتماً إلى قيام إيران بردود فعل عنيفة ستطال مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في العراق وأفغانستان وإسرائيل ولبنان ودول الخليج العربية، وربما أماكن أخرى غير متوقعة.