يسيل الدم العربي كل يوم ولا يستطيع العرب إيقافه. وهي دماء أمرنا الله بحمايتها من العدوان الخارجي. فمهمة الحاكم الدفاع عن الأوطان، والذب عن البيضة، وتقوية الثغور، وتجهيز الجيوش. وعصمها الله من أيدينا ضد الفتنة والاقتتال بين المسلمين. وبغي فريق على فريق. تسيل الدماء في العراق ليس فقط دماء المقاتلين بل دماء الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ دون حماية الدولة لهم. فالوطن مستباح. وبعض الأطراف في النظام السياسي تابع للاحتلال. لا يغضب ولا يثور لقتل المواطنين ولا للطعن في سيادته وحقه في حماية الناس، وهي الوظيفة الرئيسية للحكم. ولا فرق بين القتل على أوسع نطاق في العراق بعد أن انهارت الدولة والقتل الجزئي عندما قتل بحارة الأسطول الأميركي العابر للقناة "البمبوطي" -البائع المتجول بزورقه- المسالم في القناة وهو يقترب من الباخرة ليبيع حاجياته بدافع الفقر والكسب من الأجنبي الغني، عدواً كان أم صديقاً. والدم الفلسطيني يسيل في غزة والضفة كل يوم غيلة واغتيالاً، وتصفيات جسدية وترويعاً للآمنين من الأطفال والنساء والشيوخ أيضاً بحثاً عن المقاتلين بتدمير مساكنهم بمن فيها عن بكرة أبيهم، وتحويل غزة إلى محرقة كما فعلت النازية. لم تعد المعركة في فلسطين بين المحاربين على رغم الفارق الشاسع بين الجيش النظامي للكيان الصهيوني بكل عدته وعتاده في البر والجو والبحر والمقاتلين الفلسطينيين بأسلحتهم الخفيفة، المكشوفين في العراء. إرهاب الدولة في مقابل شجاعة الأفراد. ويسيل الدم في أفغانستان بأيدي الأميركيين وقوات حلف شمال الأطلسي وجنود النظام السياسي. والدم واحد لا فرق بين الدم العربي والدم الإسلامي. كما تسيل دماء المسلمين في كشمير ضد ورفض تطبيق قرارات الأمم المتحدة. وتسيل دماء المسلمين في الفلبين وبورما وتايلاند حيث تعيش الأقليات المسلمة في جنوب البلاد عاجزة عن الدفاع عن نفسها أو دفاع الدولة عنها أو آخذة حقها بأيديها مطالبة بالحرية والاستقلال، حتى ولو أدى ذلك إلى انفصال الجنوب عن الشمال كما هو الحال في الفلبين. وقد يسيل الدم العربي بأيدي العرب في الحروب الأهلية والنزاعات القبلية الدائرة في السودان والصومال وجزر القمر صراعاً على السلطة وبفعل الأجنبي وبدعم فريق على فريق، الأقرب إلى مصالحه، والمتحالف معه والذي يمده بالمال والسلاح والتأييد الدولي. يقتتل العرب فيما بينهم صراعاً على السلطة، سلطة الفئة وليس سلطة الأمة، مع أن القاتل والمقتول في النار. يغيب الحوار الوطني بين الفرقاء ولا يُحتكم إلا للسلاح. ومع الاقتتال يتم النهب والسلب وقتل الأبرياء. وقد تدخل الثروة كأحد أسباب النزاع مع السلطة مع أن توزيع موارد البلاد على جميع المواطنين بالتساوي من واجبات الدولة، ونشأة السلطة من اقتراع شعبي عام أو اختيار حر من الناس هو السبيل إلى مشاركة المواطنين جميعاً في الحكم. وتستمر الحرب سجالاً، كراً وفراً. فريق في السلطة وآخر في المعارضة. ثم تختل الموازين وتصبح المعارضة في السلطة، والسلطة في المعارضة. وتتعدد العواصم بين مقديشيو وبيداوا وكسمايو في الصومال. ويتنازع الشمال والجنوب على "أبيي" في السودان حيث يعيش فيها المواطنون من أصول عربية أو زنجية في سلام ووئام. وفي جزر القمر ينقلب ضابط على النظام، ويستولي على جزيرة ليعلن انفصاله عن الدولة، ثم يتم تحريرها من الانقلابيين وعودتها إلى الوطن الأم، والمواطنون، محاربين أو مسالمين، هم الضحايا الأبرياء. ويتمرد الحوثيون في اليمن على النظام العام، ويقاتلون في الجبال وكأنهم يقاتلون الأعداء. كل فريق يريد أن يثبت أن السلطة له، وأنه صاحب الأمر في البلاد. وأميركا تغتال من يناصبها العداء وتخترق أجواء السماء لتصفية خصومها. وتسيل الدماء بفعل تنظيمات متشددة داخلية وخارجية غاضبة على بعض أنظمة الحكم العربية والإسلامية. ولا تفرِّق بين الأعداء في الخارج الذين يمثلون البلاد والنضال ضدهم شرعي، والمخالفين في الرأي والحكم من العرب والمسلمين داخل البلاد الذين لا يجوز قتالهم بل الحوار معهم ونصحهم وإرشادهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. وتسيل الدماء في المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا بفعل تنظيمات متشددة. والنضال الآن أولى في فلسطين والعراق وأفغانستان وكشمير وكل أرض محتلة من أراضي العرب والمسلمين. وتقع التفجيرات في بعض دول الخليج من التنظيمات المتشددة كذلك. وتحرير الأرض المحتلة من الغزو الأجنبي له الأولوية المطلقة على الخلافات السياسية الداخلية. وتسيل الدماء عن طريق تصفية بعض نظم الحكم لخصومها السياسيين في السجون والمعتقلات أو مؤامرة بتفجير السيارات الملغومة في الطرق العامة أو تصفيتهم في الخارج بأيدي عملاء النظام بإتقان شديد دون معرفة القتلة والمتآمرين. وهو ما يحدث في لبنان. وقد تقع انتحارات المتآمرين بعد ذلك خشية من كشف التآمر. وإذا غاب الحوار السياسي وحدث انسداد في الائتلاف الوطني بدأت سلسلة من الاغتيالات على كافة المستويات لتصفية الخصوم السياسيين. والطوائف والأعراق والقبائل والمذاهب تتحاور بالسلاح وليس بالفكر. وتتشابك بالأيدي وليس بالعقل. قد تسيل الدماء بالتعذيب في السجون وأقسام الشرطة لأخذ اعترافات أو لتصفية المعارضة دون تهمة أو محاكمة أو دفاع. فالشرطة هي القضاء. والجند هم المحامون، والقوة هي الدستور. وقد تسيل دماء الناس بالمواجهة بين الشعب والشرطة في المظاهرات العامة في الشوارع، احتجاجاً على غلاء الأسعار وفساد الحكم واحتكار مواد البناء، وطوابير الخبز، وانخفاض الأجور، والتفاوت الشديد بين الأغنياء والفقراء، وكذب بعض أجهزة الإعلام. فتقع الصدامات في الشوارع والميادين العامة ويستعمل الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع والمسببة للاختناقات ضد المشاغبين والمندسين والمجرمين مع أن حق الإضراب والتظاهر مكفول بالدستور. دماء تسيل كل يوم غيلة وغدراً بأيدي المحتل الأجنبي في الخارج وبعض نظم الحكم في الداخل. وهي غير دماء الشهداء التي سالت من أجل الاستقلال الوطني في الخمسينات والستينات، دماء المليون شهيد في الجزائر، ودماء الشهداء في المغرب وتونس ضد المحتل الفرنسي، ودماء شهداء ليبيا وعمر المختار ضد المحتل الإيطالي، ودماء الفدائيين في قناة السويس، ودماء الثورة المهدية في السودان ضد الاحتلال البريطاني، ودماء أبواب الحرية الحمراء التي كانت تدق بالأيادي المضرجة في دمشق. أين دور الدولة في حماية المواطن؟ من يغطي السماء المفتوحة ضد الطيران الحربي الأميركي والإسرائيلي في العراق وفلسطين؟ أين الدرع الواقية للأوطان وليس لمصالح الدول الكبرى؟ من يحمي الوطن المستباح، ويوقف الدم المراق؟ من يفك الارتباط بين المحتل الخارجي والاحتقان الداخلي؟ من يوقف سيل الدم العربي؟