لقد نسبت إلى المرشح الرئاسي الجمهوري "جون ماكين"، مجموعة من التصريحات والتعليقات بشأن خططه الخاصة بمنع إيران من تطوير أسلحتها النووية فيما لو أصبح رئيساً لبلاده. وكان قد شاع عنه قوله في هذا الصدد قبل عامين ماضيين "إن هناك أمراً واحداً أشد سوءاً من لجوء الولايات المتحدة إلى استخدام الخيار العسكري... ألا وهو تطوير إيران لأسلحتها النووية". إلا أنه أصبح أكثر ميلاً في الآونة الأخيرة، للتأكيد على استبعاد احتمال استخدام القوة، إلا إذا كانت خياراً أخيراً لأميركا. وبدلاً من القوة بدا ماكين أكثر حماساً لما يسميه بـ"عصبة الديمقراطيات" التي يرى أن من الواجب عليها أن تعمل معاً بغية التأثير على تطورات النظام الدولي، لاسيما تشديد العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، بهدف لجم قادتها وكبحهم عن المضي في أنشطة تخصيب اليورانيوم الجارية. ولم يعد ماكين على قناعة بأنه سوف يكون في وسع روسيا أو الصين إقناع طهران بالكف عن طموحاتها النووية. والحقيقة أن ماكين مضى إلى أبعد من ذلك بمطالبته باستبعاد روسيا من مجموعة الدول الثماني الكبرى، تأسيساً على اعتقاده بأن الرئيس الروسي بوتين قد انتهك جملة المبادئ التي ترمز إليها مجموعة الدول الثماني الكبرى هذه. وإنه لغني عن القول إن موسكو لم تدر خدها الأيسر لصفعة ماكين الأولى هذه. وما لم تزل الجفوة وسوء التفاهم المتبادل بين موسكو وماكين، فإنه ليس للأخير أن يتوقع أي تعاون من جانب روسيا في الملف الإيراني، أو أية قضية أخرى لها صلة بالعلاقات المتبادلة بين واشنطن وموسكو، في حال فوزه بالمنصب الرئاسي. ومن جانبه فضّل ماكين أن يواصل حديثه مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء البريطاني جوردون براون، بشأن تشديد العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران. وربما كان ماكين محقاً في دعوته إلى تشديد العقوبات الاقتصادية هذه، بغية إلحاق مزيد من الأذى الاقتصادي بطهران، خاصة وأن اقتصادها يعاني سلفاً من مشكلات التضخم وارتفاع معدلات البطالة وهزال الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة الوطني. وفي هذا الصدد أشار ماكين إلى أن إيران تعد من كبريات الدول المنتجة للنفط عالمياً، إلا أنها رغم ذلك تعتمد على واردات الوقود الأجنبي بسبب النقص الحاد الذي تعانيه في تكنولوجيا تصفية النفط الخام. وحسب المعلومات الصادرة عن وزارة الطاقة الأميركية، فإن إيران تستهلك نسبة كبيرة من ناتجها النفطي، بلغت نحو 34% حسب تقديرات عام 2006، هذا إلى جانب الدعم الكبير الذي تقدمه الحكومة لأسعار الوقود المستهلك محلياً، الأمر الذي لا يشجع الإيرانيين على خفض استهلاكهم للوقود. هذا وتعد الهند من كبريات الدول المصدرة لمشتقات النفط لإيران، إلى جانب كونها أكبر ديمقراطية عالمية. بيد أن هاتين الحقيقتين لا تبرران قناعة السيناتور ماكين بإمكانية انضمام الهند إلى "عصبة الديمقراطيات" التي يتبنى الدعوة إليها، خاصة إذا ما كان الأمل هو أن تنضم الهند إلى صف الديمقراطيات العالمية العازمة على تشديد الضغوط الاقتصادية على طهران، وشلها اقتصادياً. ووجه الاعتراض هنا أن اعتقاد ماكين يتناقض وجوهر السياسات الهندية القائمة على الرغبة في تحسين العلاقات أكثر مما هي الآن مع القادة الإيرانيين، على أمل أن تعينها هذه العلاقات لاحقاً على استيراد الغاز الطبيعي الإيراني عبر باكستان. نخلص إذن إلى أنه من الصعوبة بمكان توقع انضمام الهند -في الوقت الحالي على أقل تقدير- إلى "عصبة" ماكين هذه. لكن وفيما لو أصبحت الهند طرفاً في "العصبة" -رغم كل ما قيل عن الصعوبات المحيطة بهذا الهدف- فإن انحيازاً كهذا من جانب الهند إلى صف كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي واليابان وغيرها من الدول العازمة على تقويض إيران اقتصادياً، سوف تكون له تداعياته السياسية الخطيرة على النظام الإيراني. بيد أن هذا الجانب وحده ليس كافياً لإرغام "الملالي" على التراجع عن عزمهم النووي. والسبب أن البرنامج النووي الإيراني، تحول إلى حافز للشعور الوطني العام، طالما استثمر فيه الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد سياسياً لصالح دعم موقفه الرئاسي. وحسب ما تشير إليه التجارب السابقة في مجال الانتشار النووي، فقد دأبت الدول العازمة على تطوير قنبلتها النووية، على الصمود في وجه الضغوط الدولية الممارسة عليها، والمضي قدماً في تطوير المهارات الفنية والتكنولوجيا والمواد اللازمة لتحقيق طموحاتها. وما تجربة باكستان في هذا المجال سوى مثال ساطع على صحة هذه الحقيقة. ومن سخرية الأقدار أن الدولة الوحيدة القادرة على غل يد طهران النووية هي روسيا التي جاهر ماكين باستبعادها من "عصبته". وما لم يراجع ماكين جفوته المعلنة هذه مع موسكو، فإنه سوف يشق عليه كثيراً -إن لم يستحل تماماً- لي ذراع إيران ووقفها عن تحقيق طموحاتها النووية. بل سوف يجد ماكين نفسه في ذات الأزمة التي ألمت بإدارة بوش فيما يتصل بمعضلة إيران النووية هذه، في حال وصوله إلى البيت الأبيض بنهاية العام الحالي. وعندها سوف يتعين عليه الاختيار بين ردع إيران النووية عن طريق استخدام القوة ضدها خياراً أخيراً، وأن يوجه إليها ضربة استباقية تستهدف تدمير أو شل قدراتها النووية. وفي كلتا الحالتين، فإن عليه أن يضع في اعتباره تعقيدات الوضع الأمني السائد في كل من الجارتين العراق وأفغانستان. ولإيران في كلتيهما يد سياسية واقتصادية وعسكرية طولى. وبما أن كافة المؤشرات ترجح مواصلة إحكام الديمقراطيين لقبضتهم على الكونجرس، فلا مندوحة لرئاسة جون ماكين من إيجاد السبل لاستقطاب تعاونهم معه في تأييد خياراته العسكرية ضد طهران. ولن يكون هذا الدعم ممكناً إلا في حال استفحال التدخل الإيراني في العراق، أو فيما إذا أقدمت طهران على تهديد أمن إسرائيل، أو في حال حدوث أي تطورات أخرى من شأنها توحيد الكونجرس والتفافه حول الرئيس.