عندما نضع الإعلام بجميع وسائله في مركب "الهوية الوطنية" فإنه بمثابة "الزر" أو مفتاح بوابة الدخول إلى صلب المجتمع في هويته، بالأخص ما يتعلق بالإعلام الوطني فعليه العبء لإبراز محددات الهوية للداخل والخارج. من هذا المنطلق نركز على مدى إمكانية وسائل الإعلام التقليدية والمعاصرة، المسمى بالإلكترونية في فضائها المفتوح، مواجهة هذا التحدي في ظل التنافسية المحمومة بين مئات القنوات الفضائية حيث كل إناء بما فيه ينضح. فالهوية الوطنية ليست شعاراً يرفع للاستهلاك وإنما هي جذور تعلن عن أن هناك شعباً محاطاً بها من كل جانب، وعلى كل الأجهزة المعنية بناء السياج الذي يلف الهوية ويحافظ عليها من جور الزمن المختلط بكل الأجناس في مجتمع رضي الترحيب بهم ولكن ليس على حساب الموروث المتجذر في هوية المواطن الذي لا ولن يهوى غيرها. لتأصيل هذا المسار نقارن وضعنا مع دولة مثل "اليابان"، فالفرد المواطن يتعامل يومياً مع أكثر من ثمانية آلاف محطة فضائية ليس لها علاقة بالدولة، أي أن الإعلام الرسمي أو الوطني غائب تماماً عن المشهد العام للمجتمع المحلي، إلا أنك لو ضغطت على أي "زر" من مفاتيح وسائل الإعلام المتعددة المشارب لن تجد أمامك إلا الهوية اليابانية، وقس على ذلك شأن الإعلام في مختلف المجتمعات المتقدمة وهذا التقدم لم يعنِ لديهم السماح للهوية الخاصة بالذوبان في محيط العولمة العميق. ومن هنا فإن الإعلام الوطني لا يمكن أن يعمل بأي حال من الأحوال بمعزل عن الإطار العام للهوية الوطنية في الدولة، وهذا هو الأصل وإن كان ما نراه الآن هو استثناء لا ينبغي أن يستمر طويلاً وإلا وقعنا في مشكلة يصعب الرجوع بها إلى التاريخ التليد لهويتنا الوطنية، فالمطلوب على وجه السرعة بناء نمط من الاستراتيجية طويلة المدى تؤسس للعوامل التي تدعم توجه الحكومة نحو الالتفاف والتمسك بقوة عنوانها الأصيل. لسنا هنا في وضع البرنامج المعني بذلك، لثقتنا بأن أهل الشأن في وسائلنا الإعلامية يدركون تماماً ما هو المطلوب في هذا الظرف الخاص الذي لو استمر لن يكون لصالح هويتنا الوطنية التي نخشى عليها التأثر بالنسائم غير العليلة في محيطنا. وبما أن للإعلام مفعول السحر في عقول المتلقين لرسائله "الفلاشية" فإن معالجة الأمر لن تأخذ وقتاً طويلاً من الزمن، فرب مسلسلٍ وطني يغير الكثير من وجهات النظر السلبية التي تطرح على الساحة بين فترة وأخرى. من الضرورة، عدم التسرع في طرح القضايا الوطنية الشائكة بأسلوب يشوبه الكثير من المبالغة والتهويل، لأننا بذلك لن نصل إلى الهدف المنشود إلا ويتخلله التشويه والبتر، فأمر الهوية الوطنية أصبح على رأس أولويات الحكومة والتماس معها لإبرازها في كل المجالات يقع في قمة السلم التراتبي للقضايا ذات الأهمية القصوى. وإذا كان الأمر بهذه الجدية الملحوظة من قبل الحكومة فإن عقد ندوات تلو أخرى لطرح أسس الهوية الوطنية على الرأي العام، كذلك في غاية الأهمية نظراً لتشعبها وتعلقها بالبعد اللغوي والتراثي والديني وغيرها من المسارات التي هي بحاجة إلى بحوث ودراسات متعمقة والخروج بتوصيات ومقترحات عملية للمضي به نحو التنفيذ عبر الأفكار الخلاقة. ونؤكد على حقيقة أن هذا التركيز على الهوية الوطنية، يعني المزيد من الرفعة لشأن الوطن في أصول نشأته وجذور هويته، فالتهاون بذلك لم يعد له مكان للتحاور السلبي، فالإعلام الوطني مطالب بوضع الهوية الوطنية على رأس أجندته الخاصة بالخطط والبرامج والاستراتيجيات التي تتواكب وتتزامن مع الاستراتيجية العامة للدولة في كافة قطاعاتها، وعلى وسائل الإعلام بالدولة بناء "الأزرار" الخاصة بالهوية الوطنية لخدمة المجتمع المحلي في نهجه المنفتح على محيط العولمة دون أن نخشى من عمقه أو الغرق في قاعه.