رائحة الحرب كانت هناك رغم الجهود التي بذلها بعض اللبنانيين، وخصوصاً في منظمات المجتمع المدني، لجعل الأحد من الأسبوع الماضي يوماً لإحياء الأمل وليس لإحياء ذكرى اندلاع الحرب الأهلية التي حصدت من الأخضر واليابس الكثير. بذلت عشرات من هذه المنظمات ما في وسعها للتحذير من تكرار المأساة التي استمرت ما يقرب من خمسة عشر عاماً (75 -1989). لكن جهود منظمات حديثة تحاول إعلاء قيمة المواطنة، بغض النظر عن الدين والطائفة والمذهب، تظل محدودة في مجتمع يظهر عمقه الطائفي - المذهبي قوياً بل مخيفاً كلما اشتدت أزمته. وما انقسام المجتمع اللبناني اليوم إلى معسكرين كبيرين (14 آذار أو الموالاة و8 آذار أو المعارضة) متراصة صفوفهما بدرجات مختلفة إلا تعبير عن عمق الانتماءات الأولية السابقة على الحداثة وقيمها بما فيها، بل في مقدمتها قيمة المواطنة. ويتحدث قادة كل من المعسكرين عن شارعه، أو "شارعنا"، وليس عن شارع عام يحوز ملكيته الجميع وينتمون إليه كلهم بصفتهم مواطنين في المقام الأول. فالشارعان المتواجهان، اللذان يعبران عن انقسام المجتمع إلى معسكرين متصارعين، يكشفان مجدداً تفوق الانتماء الديني -الطائفي- المذهبي على الارتباط العضوي بالوطن الواحد الجامع لانتماءات متعددة مختلفة حتى إذا تناقضت. والشارعان في لبنان هما، على هذا النحو، البديل عما يطلق عليه في المجتمعات الحديثة وشبه الحديثة الحيز العام الذي يُعرف بأنه مجال تلاق بين أبناء الوطن الواحد، قادر على احتواء تبايناتهم مهما بلغت. ومن هذا الحيز العام، نشأ مفهوم الرأي العام وأصبح مكوناً رئيسياً من مكونات العملية السياسية والاجتماعية في هذا العصر. وإنه لمؤسف ومحزن، بالتأكيد، أن يرتد لبنان إلى ما قبل هذا العصر، وهو الذي كان قد سبق بلاداً عربية عدة إليه على الأقل في مجالات الاقتصاد والمعمار والإعلام. وهذا الارتداد هو ما يجعل خطر تجدد الاقتتال الأهلي وارداً حتى إذا لم يكن أي من أطراف المعسكرين والشارعين المتصارعين يريده. والحال أن أحداً من هذه الأطراف لا يرغب في إعادة الحرب الأهلية. ومع ذلك لم يجلب تحرك منظمات مدنية حديثة في 13 أبريل الجاري لتأكيد هذا المعنى الطمأنينة لمن يخشون خروج أحد الاحتكاكات الصغيرة التي تحدث بين بعض أنصار المعسكرين المتصارعين عن السيطرة. فالحرب يمكن أن تتجدد في أية لحظة. ويمكن لأي احتكاك بسيط أن يصبح هو "مستصغر الشرر". هكذا كان شعور بعض اللبنانيين على الأقل إزاء الشعارات التي رُفعت في الذكرى الثالثة والثلاثين لنشوب الحرب الأهلية. لم يكف شعار مثل "تنذكر... ما تنعاد"، الذي سبق رفعه في ذكرى الحرب نفسها العام الماضي، في طمأنة من يشمون رائحة الحرب. وكان بعضهم، في اليوم نفسه، في القاهرة يسعون إلى شراء منازل على سبيل الاحتياط. قابل كاتب السطور اثنين منهم، وروى له العميد إلياس فرحات الضابط في جيش لبنان الوطني ما خلاصته أن غيرهما كثير يفعلون مثلهما في القاهرة وعواصم عربية أخرى. وكان العميد فرحات في القاهرة للمشاركة في اجتماع نظمته جامعة الدول العربية ربما لتذكيرنا بأن ثمة شيئاً يسمى العمل العربي المشترك، كي لا ننسى. وما بين تذكير العرب بذلك، وتذكير اللبنانيين بالحرب الأهلية "كي لا تُعاد"، يظل ارتباط الأزمة في لبنان بالانقسام العربي -الإقليمي عائقاً جوهرياً أمام استعادة الأمل. ولذلك حلت ذكرى نشوب حرب 1975 – 1989 في ظل انسداد سياسي تام. فلا حوار بين المعسكرين المتصارعين، ولا حتى كلام أو سلام. ولا اتصالات، في الوقت نفسه، بين الأطراف العربية التي تستطيع التأثير على التفاعلات اللبنانية الداخلية سلباً أو إيجاباً، وهي سوريا من ناحية والسعودية ومصر من الناحية الأخرى. وفى ظل هذا الانسداد، بدا التحركان العربيان اللذان قام بهما قطبان كبيران في المعسكرين المتصارعين بلا جدوى. قام رئيس الوزراء فؤاد السنيورة بجولة على عدد كبير من العواصم العربية، داعياً إلى عقد اجتماع لوزراء الخارجية العرب يخصص بكامله للبحث في العلاقة السورية -اللبنانية. لكن ما جدوى مثل هذا الاجتماع في غياب أدنى استعداد للتفاهم على حل وسط ما في إطار المبادرة العربية التي وصلت إلى طريق مسدود دون أن يبدو في الأفق بديل عنها؟ وهذا فضلاً عن رفض أحد المعسكرين (8 آذار) الفكرة جملة وتفصيلاً، وذهاب بعض أطرافه إلى أقصى مدى في الهجوم عليها. وقد هاجمها "حزب الله"، من خلال كتلة "الوفاء للمقاومة" البرلمانية المعبرة عنه، بحدة قليلاً ما يلجأ إليها حين وصمتها هذه الكتلة بأنها "مهمة أميركية موصوفة" للتحريض ضد سوريا وأن "اللهاث وراءها تنفيذ لإملاءات توجه حركة فريق السلطة وأصدقائه الإقليميين"! أما تحرك رئيس مجلس النواب وزعيم حركة "أمل" نبيه بري لتسويق دعوته إلى استئناف الحوار بين المعسكرين المتصارعين، فلم يكن مجدياً بدوره، لأن المعسكر اللبناني الآخر وبعض أنصاره على المستوى العربي يرون في هذه الدعوة محاولة لاستهلاك الوقت وتكريس الفراغ الرئاسي. رغم أن زيارته إلى مصر تعتبر خطوة إيجابية في اتجاه الحد من الاستقطاب العربي على خلفية الاصطفاف اللبناني، فلم يكن ممكناً أن تنتج جديداً مادامت مصر مقتنعة بأن تغييراً في موقف سوريا هو الخطوة الأولى التي لا بديل عنها لتحريك الجمود في الأزمة اللبنانية. غير أن المعضلة الجوهرية هي أن هذه الأزمة لا يمكن أن تبقى جامدة. فهي من نوع يستحيل الاحتفاظ به في الثلاجة إلى أن تتوفر شروط حله، لأن فيها جديداً كل يوم. ولذلك فهي أزمة متحركة بطابعها. فإذا تعذر تحريكها نحو الحل، ستتحرك هي باتجاه مزيد من التأزم على نحو يجعلها أكثر خطراً. وإذا كان استمرار الفراغ الرئاسي مخيفاً، فتداعياته أكثر مدعاة للخوف بل للفزع. ففي غضون شهور قليلة، لن يكون الفراغ رئاسياً فقط، بل شاملاً. قيادة الجيش مهددة بالفراغ خلال فترة أقصاها سبعة شهور. وحتى إذا لم يتمسك العماد ميشال سليمان برغبته في تقاعد مبكر في أغسطس المقبل، فسيحل موعد إحالته إلى المعاش في 23 نوفمبر القادم. وفي ظل ما يبدو اليوم من فجوة بين المعسكرين بشأن قانون الانتخابات الذي ستجرى على أساسه الانتخابات البرلمانية التي سيحل موعدها في ربيع العام المقبل، يصبح الفشل في إجرائها محتملاً بل مرجحاً. فليس هناك ما يدل، في اللحظة الراهنة، على إمكان التوصل إلى حل وسط بشأن الخلاف على قانون الانتخابات، ولا حتى على أن الحوار وارد أصلاً لمحاولة البحث عن مثل هذا الحل. فمعسكر 14 آذار يصر على أن الحوار بشأن قانون الانتخابات، كغيره، يلي انتخاب رئيس الجمهورية ولا يسبقه. وفي ظل توسع الفجوة حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، ربما يستحيل انتخاب الرئيس في الشهور القادمة. وهكذا يبدو لبنان مهدداً بفراغ مؤسساتي تام عند خروج قائد الجيش إلى التقاعد، وفي حالة العجز عن إجراء الانتخابات البرلمانية. ففي هذه الحالة لابد من حل مجلس النواب الحالي، فيصبح البلد عندئذ بلا برلمان. كما تنتهي ولاية الحكومة القائمة التي تقوم بتصريف الأعمال، وتمثل عنواناً يتوجه إليه المجتمع الدولي. فرغم أن معسكر 8 آذار يطعن في دستوريتها، ولا يعترف بها حكومة شرعية، فهو يتعامل معها باعتبارها حكومة أمر واقع ويقوم وزراؤه المستقيلون منها بتصريف أعمال وزاراتهم من وقت لآخر. وهذا الحد الأدنى يبدو لبنان مهدداً بأن يفقده أيضاً خلال أقل من عام واحد، ما لم يحدث تقدم باتجاه ملء الفراغ الرئاسي الذي سيمتد إلى قيادة الجيش والبرلمان والحكومة تباعاً. فهل يشهد لبنان فراغاً مؤسساتيا تاماً؟ وهل يمكن ضمان عدم نشوب حرب أهلية جديدة في مثل هذا الوضع الذي يختزن عناصر تفجره تحت السطح؟