مثل العالم العربي اليوم كسفينة ضلت طريقها، تضربها العواصف وتتقاذفها الأمواج، في محيط بلا قرار. وفي كل لحظة تهدأ فيها العاصفة قليلاً، يسرع الأقوى من ركابها إلى إلقاء مراكب النجاة الصغيرة في البحر للهرب بأنفسهم، بينما لا تجد الغالبية من الركاب خياراً سوى الاستسلام للمصير المحتوم، والانشغال عن العاصفة بالتضرع إلى الله وطلب رحمته وغفرانه. أما داخل غرفة القيادة فالصراع على أشده بين فريق من الركاب انتدب نفسه لإنقاذ السفينة وبين قبطانها الذي يصر على أنه وحده صاحب الحق بقيادتها وأنه لن يحيد عن الطريق التي اختار مهما عظمت المخاطر والتحديات! والنتيجة المنتظرة كارثة محققة للجميع، لن ينجو منها من هرب ولا من سلم أمره ولا من انتدب نفسه لإنقاذها ولا قبطانها الأحمق أيضاً. والقصد أن السبب في ما وصلنا إليه هو ببساطة غياب القيادة، لا بمعنى الزعيم الملهم والقائد الفذ الذي يفرض نفسه بالقوة ويجبر الجميع على اتباعه والسير وراءه، بل بمعنى وجود الرؤية الصائبة التي تتحدد فيها الأهداف والوسائل وخطة العمل وتحظى بقبول الشعوب وتأييدها، والمعرفة الصحيحة بمنطق التطورات والأحداث الجارية، والحكمة الضرورية لمواجهة النزاعات وحل التناقضات التي تخترق كل المجتمعات وإشراك الجميع في المسؤولية. ولا قيادة من دون رؤية توضح الاتجاه. ولا رؤية من دون معرفة سليمة وموضوعية بالوقائع والإمكانيات والاحتياجات. بالمقابل، دفع تقاطع سلبي للحوادث والتطورات في العقود الماضية، إلى منصب القيادة في بعض البلاد العربية، بفئات ليس لها أي رؤية لما هو مطلوب لتحرير المجتمعات وانعتاقها وتقدمها، لا تحظى بالكثير من المعرفة ولا تملك الخبرة، ومن باب أولى الحكمة النظرية والعملية اللازمة للتعامل مع المجتمعات المتصدعة وتوحيد إرادتها وجهودها، تحركها العواطف والضغائن والأحقاد أكثر مما تحفزها الأفكار، تفتقر لموهبة التواصل مع شعوبها، كما تفتقر للمقدرة على إدارة الدولة، بل على فهم منطق عملها والعمل المؤسسي بشكل عام. لا تشعر بالراحة والسعادة إلا في جو الزعامة الشخصية والولاءات الحزبية والعائلية والزبائنية. هكذا حلت الأمزجة الشخصية وإرضاء الطموحات الفردية محل السياسات المنبثقة من العمل المنهجي والمنظم على بلورة مصالح الجماعة الوطنية وتعظيمها. وانتصرت أساليب التعبئة العصبوية (زعيم وأتباع) على أسلوب العمل المؤسسي المستند إلى الخبرة الصحيحة والمستقل عن الأشخاص وطموحاتهم وأمزجتهم الذاتية. وفي سياق نشوء هذا "النظام" الجديد، لن تزول الحاجة للمعرفة العقلية والنقدية فحسب، بل سينظر إليها على أنها نزعة تخريبية أو خيانة وطنية لأنها تقوض الأسس التي تقوم عليها القيادة الملهمة، والتي هي بالتعريف قيادة استثنائية، لا تدرك بالعقل ولا تخضع لمعاييره وحساباته، بمقدار ما تستدعي الإيمان والتصديق. وفي السياق ذاته تنتفي الحاجة إلى إدارة مؤسسية، تستند إلى توزيع واضح للسلطات والصلاحيات، وترتبط بمبدأ المسؤولية، وتتطلب الاحتكام إلى معايير ثابتة في المحاسبة والمساءلة السياسية والقانونية. فكل ذلك مما يهدد أسس الزعامة الإلهامية التي تميل إلى إنكار أي تراتبية فعلية تتوسط بين الزعيم الملهم وأتباعه، أو تفرض على الأتباع الخضوع لسلطات إضافية لا تنبثق منه مباشرة، أو حيازة مسؤوليات خاصة أو مستقلة تقلل من صدقية السلطة الأحادية وتحد من وهجها وتنتقص من شمولها واستقلالها وإطلاقيتها. فهذه الأخيرة لا تعمل إلا إذا عمقت لدى من تمارس عليهم، الشعور بأنها هي وحدها العقل والروح والحكمة الأبدية التي تحرك أناساً وأفراداً لا يتخذون قيمتهم، ولا يحتلون مكانتهم، ولا يحققون دورهم، ولا يبلغون سعادتهم، إلا بمقدار ما يتخلون عن إرادتهم ويتحولون إلى أدوات، بل إلى مرايا جاهزة لالتقاط "القبس الإلهي" وعكسه على العالم. من دون ذلك ليس هناك نظام ولا وحدة ولا استقرار. ليس المقصود بالقيادة هنا القيادة السياسية التي تتألف من أصحاب المسؤولية العمومية والذين يحتلون مناصب الدولة الرئيسية فحسب، وإنما جميع القيادات الروحية والثقافية والاقتصادية والأهلية التي يتوقف عليها بث الاتساق والانتظام في الهيئة الاجتماعية، وتسيير شؤونها، وتغذيتها بالمعارف والأفكار النافعة، ومساعدتها على رسم الخطط والاستدلال على الطريق المؤدي للإنجاز والتثمير والتنمية الإنسانية. فلكل من هذه القيادات نصيبه في نشر الظلام، وتشويش الرؤية، وإضعاف مقدرة الأفراد على إدراك تحديات الحاضر والمستقبل، ومعرفة الأهداف الصحيحة وتجنب الاختيارات الخاطئة التي لا تقود إلى أي هدف. ولها جميعاً مساهمتها الخاصة في تعميم مفهوم للزعامة والرئاسة والسلطة يتعارض كلياً مع تنمية روح الحرية والمسؤولية والمبادرة والمشاركة والتفكير المنظم والعمل الجماعي. وبالتأكيد، تقف في المقدمة بعض منظومات السلطة السياسية وقيمها القرسطوية التي تحرم على الشعوب أي شكل من أشكال المشاركة أو المشاورة الشعبية أو النقاش أو النقد أو الإصلاح. لكن لا ينبغي لهذا أن يمنعنا من إدراك فساد منظومات الزعامة الأهلية، الدينية والمدنية، القائمة على العنترية التي تعوض عن الاستسلام الحقيقي للقوة والخضوع لها والانقياد لأصحابها وتغطي عليه في الوقت نفسه. ولا فساد منظومة النخبة الاجتماعية التي تدفع أصحاب المال والثروة والمجد والجاه، إلى التصرف كأرستقراطية أجنبية، لا يهمها مصير المجتمعات التي تعيش فيها إلا من حيث هي مصدر للعوائد والمنافع والثروات، وهي على استعداد للفرار والتخلي عن أي مسؤولية لدى أول شعور بوجود مخاطر عليها أو نقص في عوائد السيطرة أو تحديات غير منتظرة للنظام. ولا فساد منظومات المعارضة التي لا ترى في المقاومة للنظم القائمة سوى مناطحة على طريقة فرسان القرون الوسطى، تمتح من بحر الشجاعة والفروسية والعنجهية، بدل المراهنة على ما تمثله الشعوب وتختزنه معاً من قوة معنوية ومادية، وما يمكن أن ينتج عن العمل المنهجي على تنظيمها وتأهيلها بالحكمة والرأي السديد من إمكانيات واحتمالات. هذا المزيج غير المدرك وغير المفكر فيه من الجشع والغرور وضيق الأفق واحتقار الرأي وانعدام الحكمة ونفاد الصبر وغياب الثقة والخوف من الآخر، والذي يميز منظومة القيادة والسلطة على جميع مستوياتها وفي كل ميادين ممارستها في مجتمعاتنا، هو المسؤول الحقيقي عن الضياع وغياب الرؤية والتخبط في تحديد الأهداف الصحيحة، وعن سيطرة الجهل بأحوال الأمم والمصائر التاريخية والعجز عن مواجهة تحدياتها. وهو في الوقت نفسه التعبير الأقسى عن الفقر الإنساني الذي تعاني منه مجتمعات تستثمر في العنف والحرب الداخلية والخارجية، وتنفق على الآلات العسكرية والأجهزة القمعية، أكثر بكثير مما تنفق على تأهيل أبنائها، وتمكينهم، بالمعرفة والحكمة والمثال الصالح، من أن يتصالحوا مع العالم المحيط بهم، ويكونوا أعضاء فاعلين، إيجابيين، منتجين ومبدعين، في حضارة عصرهم. فكيف يمكن، من دون علم ولا حكمة ولا فضائل أخلاقية، أن يقوم حكم على غير القوة والقهر؟