لقد أفسدت كرنفال الشعلة الأولمبية، سلسلة من المظاهرات الاحتجاجية التي نظمت في كل من سان فرانسيسكو وباريس ولندن خلال الأيام القليلة الماضية. وفي الوقت نفسه صدر حكم بالسجن لمدة ثلاثة أعوام ونصف على "هو جيا" الناشط الصيني في مجال حقوق الإنسان، إثر إدانته بتهمة التحريض على تقويض النظام الشيوعي الحاكم. وعلى الصعيد نفسه تواصل بكين انقضاضها على حملات الاحتجاج التي يشهدها إقليم التبت. وبالنتيجة سرعان ما تحولت الشعلة الأولمبية التي يفترض لها أن تكون بداية صعود جديد للصين، إلى مؤشر على تصاعد انتهاكات حقوق الإنسان فيها. وبدا كأن لا حول ولا قوة للأولمبياد في أن تحدث أي تغيير يذكر في العناد الصيني، وأن بكين هي التي تبذل كل ما لديها في سبيل إحداث تغيير جذري في هذه الرياضة الأولمبية. بيد أن حكومة بكين شيء، والشعب الصيني الذي يصل تعداده 1.3 مليار نسمة شيء آخر مختلف جداً. والصحيح ألا يتم أدنى خلط بين النظام الحاكم والصين ككل. يشار أيضاً إلى أن المسابقات الأولمبية التي تنظمها الصين هذه المرة، قد ألهبت لدى الصينيين مشاعر الوطنية المتأججة، سواء كان هؤلاء داخل بلادهم أم خارجها. ولسنا بحاجة إلى القول إنه من الخطأ الفادح أن نستهين بهذه المشاعر الشعبية، باعتبار أنها مجرد امتداد لا أكثر لإفرازات ماكينة الدعاية الشيوعية في بكين. والملاحظ أن المشاعر الوطنية هذه، قد وحّدت بين فئات الشعب الصيني المنقسمة على نفسها عادة، إما بسبب الفوارق العمرية أو الطبقية أو الجغرافية. وفي وسع هذه المشاعر أن ترتقي بمستوى الوعي الاجتماعي العام بحقوق ومسؤوليات المواطَنَة. وعليه وبدلاً من أن تضفي المباريات الأولمبية شرعية على النظام الشمولي الحاكم في بكين، فإن في مقدور الحس الوطني الذي ارتبط بتنظيمها، أن يؤدي إلى نهوض المجتمع المدني من تحت نير الشمولية المطبقة، وبذلك تكون الأولمبياد قد أفضت إلى عكس ما اشتهت بكين. وبالفعل تحولت الأولمبياد إلى منبر يلتف حوله ملايين الصينيين الطامحين لأن تحتل بلادهم مكانتها اللائقة بها في المسرح الدولي. ولعل التاريخ السياسي المضطرب الذي مرت به الصين خلال القرن الماضي، هو الذي يفسر سر هذا الشعور العارم بالاعتزاز القومي الذي عم المواطنين. ذلك أنها سوف تكون المرة الوحيدة في تاريخ الصين الحديث، التي يرى فيها الصينيون عقارب الساعة، وهي تبرح خانة الجوع والعزلة والمسكنة التي ضُربت على بلادهم منذ خمسينيات القرن الماضي، إلى خانة الاعتراف والاندماج مع بقية دول العالم في عام 2008 الحالي. وهذا هو ما يدفع الملايين منهم إلى التوافد من جميع أنحاء البلاد وخارجها إلى بكين، كي يشهدوا هذا الحدث التاريخي الفريد. وبما أن الأولمبياد قد عززت المشاعر الوطنية لدى الصينيين، فمن الطبيعي أن تكون هذه المشاعر نفسها الوقود الوطني اللازم لتغيير الصين. هذا وينبغي التأكيد ثانيةً على أن الشعور الوطني الصيني، ليس بالضرورة مجرد تعبير عن انسياق أعمى للسياسات القمعية للنظام الحاكم، لأن هذا الشعور لا يخلو من بعده الشعبي المدني المستقل عن النظام. وعلى حد قول "زو خويكن" -الأستاذ بجامعة شانغهاي- فإن الصينيين أكثر وعياً اليوم مقارنة بعشر سنوات مضت، بحقوقهم المدنية التي تشمل فيما تشمل حق الحصول على المعلومات، والحق في مساءلة نظام الحكم، إلى جانب حق الحماية من ردة الفعل الحكومية على المطالبة بهذه الحقوق. وبالفعل رفعت دعاوى قضائية من عدة أفراد عاديين طالبوا فيها بحقوقهم كمواطنين. وكثيراً ما أثيرت مثل هذه الدعاوى ضد المسؤولين المحليين ومستثمري العقارات الذين دأبوا على قهر الأفراد العاديين. وكان "زو لايفنج" -وهو فلاح من محافظة زيجيانج- أول مواطن يكسب حكماً قضائياً ضد الحكومة المحلية في عام 2007، بسبب هدمها للبيوت القائمة في مزرعته دون موافقته. ورغم ضآلة فرص الفوز في مثل هذه الدعاوى القضائية المقامة ضد الحكومة حتى الآن، إلا أن الملاحظ أن عددها في تصاعد مستمر. وفي ذات المنحى مارس المواطنون حقهم في التصويت في انتخابات مجالس القرى، إلى جانب توظيفهم لبرامج التحقيقات الإخبارية في فضح تجاوزات المسؤولين المحليين. يلزم القول هنا إن هذه تعد بعض إشراقات نظام بكين القمعي، إلا أن أهم ما فيها أنها تشير إلى تشكل وعي جديد لدى قطاعات أوسع من أفراد الشعب، بما تعنيه المواطَنَة، أي ما يعنيه أن يكون المرء مواطناً صينياً. وأكثر الإشارات إضاءة وإشراقاً اليوم فيما يتصل بمستقبل احترام حقوق الإنسان في الصين، هي أن مجموعات متزايدة باطراد من مؤسسات المجتمع المدني، هي التي تشكل مفهوم الهوية الوطنية، أكثر مما تفعل الحكومة وحدها. وبالنتيجة لم يعد يقتصر مفهوم المواطَنَة على ما تبثه الدعاية الحكومية فحسب، كما كان عليه الحال سابقاً. وما أن يرى الأميركيون مظاهر النزعة الوطنية الصينية هذه، حتى ترتبط في أذهانهم مباشرة بمخاطر الأحداث الجارية في إقليم التبت. لكن وإن كان عليهم أن يؤدوا دوراً إيجابياً في الدفع بالصين نحو التغيير الديمقراطي المنشود، فإن عليهم حكومةً وشعباً، النظر إلى الجانب الإيجابي من النزعة الوطنية هذه... لكونها وقود التغيير السياسي الأقوى، كما سبق القول. وإني لعلى ثقة بأن الصين سوف تحتل مكانتها يوماً في وهج الشمس. ــــــــــــــــــــــــــــــــ سو مينج ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ باحث متخصص في الدراسات الصينية الحديثة- جامعة "روديس". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"