استقبل الرئيس الأميركي خلال الأيام القليلة الماضية بالبيت الأبيض ضيفيْن مميزيْن: بابا روما، ورئيس الوزراء البريطاني غوردون براون. وقد أظهر الرئيس الأميركي من ناحية الشكل اهتماماً خاصاً بالبابا، إذ استقبله بالمطار، وهو ما لم يفعله مع أحدٍ من قبل، في حين حفت بالزيارة البابوية من ناحية المضمون الكثير من المشكلات؛ فالفاتيكان ليس راضياً عن سياسات واشنطن في أميركا اللاتينية وفي الشرق الأوسط، إذ يرى أن هذه السياسات يخالطها الكثير من العنف والاندفاع والعشوائية، فضلاً على أن الولايات المتحدة في عهد الرئيس بوش الابن لم تأبه للاضطراب العالمي، وحالات تلوث البيئة، وحالات الأوبئة والفقر والبؤس، وهي أمور تنشرها السوق المعولمة. وقد أفضت جميعها إلى ردات فعل ليست في مصلحة الولايات المتحدة، ولا في مصلحة البابوية، وقد كانا حليفين خلال العقد الأخير للحرب الباردة، والذي واجها خلاله معاً عالم الاتحاد السوفييتي وأسقطاه. لكن بسبب سياسات الأوحدية القطبية أيام بوش على الخصوص، عاد اليساريون للسيطرة على ثلثي بلدان أميركا اللاتينية، وشاعت الفوضى وشاع الخراب، وازداد التهديد ضد المسيحية في الشرق الأوسط. ومع أن البابا الحالي بنديكتوس السادس عشر، ليس في اندفاع سلفه يوحنا بولس الثاني، لكنه أبدى تذمراً خلال العامين الماضيين من سياسات الولايات المتحدة العالمية في عدة مناسبات. ولكي لا يزداد الأمر سوءاً فقد حاول الأميركيون تهدئة مخاوفه بزيارته في الفاتيكان عدة مرات خلال عام 2007 (كوندوليزا رايس، وديك تشيني، وروبرت غيتس)، لكن دوائر الفاتيكان ظلت تُظهر التذمر بشأن فلسطين والعراق ولبنان، وآثرت التنسيق مع الأوروبيين من أجل ذلك، ومن أجل سياسات أجدى في البلقان، وفي أميركا اللاتينية. وقد أوضح الأميركيون للبابا من جهة أنهم يأخذون آراءه علي محمل الجد، وأن السياسات جارٍ تغييرها، لكنهم ما عرضوا عليه دوراً محدداً يمكن أن يتعاون الطرفان فيه، وآثروا أن يكون التعان -إن تم- من خلال توني بلير مفوض "اللجنة الرباعية" في فلسطين (وقد اعتنق الكاثوليكية بعد تركه رئاسة الوزارة ببريطانيا!)، ومن خلال الرئيس نيكولاي ساركوزي الذي أقبل على إقامة علاقات مقبولة بالفاتيكان بعد طول انتظار. البابا الحالي يؤثر الدبلوماسية الهادئة والسرية، لكنه قال إنه يريد سلاماً في الملف الفلسطيني -الإسرائيلي، ويريد استقراراً للمسيحيين في الشرق الأوسط بعد النكبات التي نزلت بهم في فلسطين والعراق، وتهميشهم المتزايد في لبنان. وعلى أية حال، فإن اللطف الأميركي تجاه البابا كانت له حدوده أيضاً. فقد ذكّرته الصحف الأميركية الكبرى بأن بيته الداخلي ليس على ما يرام، وعليه الاهتمام به قبل أي أمر آخر؛ ففي السنوات الأخيرة اتُّهِمَ الكهنة الكاثوليك في أميركا -ومنهم مطارنة- بالاعتداء على الأطفال، وأقيمت عليهم مئات الدعاوى، ومئات طلبات التعويض المادي. ويرى الصحفيون الأميركيون (وأكثريتهم من البروتستانت!) أن البابا الحالي ومطارنته في الولايات المتحدة، ما اهتموا للأمر بما فيه الكفاية، بل حاولوا التغطية والتهرب!. والأميركيون شديدو الرضا عن رئيس الوزراء غوردون براون، فهو، بخلاف بلير حبيبهم السابق، بارد وغير شخصي، لكنه ثابت على التحالف وعلى المساعدة. وقد قال في مؤتمره الصحفي المشترك بالبيت الأبيض مع الرئيس بوش إنه سيستمر في التعاون والتضامن مع إدارة بوش في مواجهة الإرهاب، وفي الملف الإيراني، وفي الحلول في الشرق الأوسط، وأخيراً في قضية الركود الاقتصادي. والمعروف أنه أعاد أخيراً وقبل سفره للولايات المتحدة الجنود البريطانيين الأربعة آلاف إلى البصرة بعد أن كان قد سحبهم منها باتجاه المطار. وبراون راض عن سلوك حلفائه الأوروبيين تجاه إيران، لكنه وعد بوش بمزيد من الضغط عليهم من أجل مكافحة الركود الاقتصادي، ومن أجل السير في التسوية بالشرق الأوسط من خلال اللجنة الرباعية. والواقع أن الموضوعات الخمسة (العراق ولبنان والتسوية في فلسطين والمشكلات مع إيران والإرهاب) ستكون في مركز اهتمامات الرئيس بوش، عندما يزور الشرق الأوسط في الذكرى الستين لقيام الدولة اليهودية في فلسطين. وما يزال العمل جارياً على مؤتمر تشاور في شرم الشيخ يحضره إلى جانب الرئيس بوش زعماء عرب للبحث في هذه الموضوعات كلها، وخاصة مسار التسوية في فلسطين، وإمكان تحقيق شيء بارز هذا العام، وهو آخر أعوام رئاسة بوش، كما هو معروف. لقد استدارت الولايات المتحدة دورة كاملة في سياستها العراقية، وهي تتجه بدون تردد لاصطدام شبه مباشر مع إيران من خلال مكافحة ميليشيا مقتدى الصدر. وما تزال نتائج تصرفاتها بالعراق موضع اختبار، وخاصة أن ردود فعل إيران وسوريا و"حزب الله" ما تجلت بعد بكامل فعالياتها ومفاعيلها. فهناك من المراقبين الغربيين من ينتظر أو يتوقع أمراً، ولو رمزياً، يقوم به "حزب الله" في الذكرى الستين لقيام الدولة العبرية. وفي المقابل تحركت الدبلوماسية الأميركية كثيراً في الأسابيع الماضية، لدفع الإسرائيليين لتقديم شيء للفلسطينيين دون أن يحدث شيء ظاهر حتى الآن. وهذا لا يُحرج الأميركيين فقط، بل يُحرج العرب الكبار الذين يتبنون مبادرة السلام منذ عام 2002، لكنهم قد يقولون لبوش بشرم الشيخ إنهم لن يستطيعوا الاستمرار في دعوات التسوية السلمية إن لم يفعل الأميركيون وحلفاؤهم الإسرائيليون شيئاً للسير في الاتجاه نفسه. وأول من أمس قال الرئيس الإسرائيلي أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبوغ إن الإسرائيليين مستعدون لتنازلات مؤلمة، وقبله قالت وزيرة الخارجية الإسرائيلية الشيء نفسه في قطر. لكن الوزيرة الإسرائيلية طالبت في مقابل ذلك "الوعد" بأن تسارع الدول العربية إلى إقامة علاقات مع تل- آبيب، بدون انتظار التنازلات المؤلمة المزعومة، ومع عدم السير في خارطة الطريق، ولا تقديم شيء من أي نوع بعد اثنين وعشرين اجتماعاً خلال الشهور الماضية بين الفلسطينيين والإسرائيليين! هناك إذن تحد بارز أمام الأميركيين يعادل إن لم يزد على التحدي الذي يواجهونه في العراق، وهو تحدٍ دفع إسرائيل للسير في التسوية، وهو يبدأ بإيقاف بناء المستوطنات، وإيقاف العمليات في الضفة وغزة، ورفع الحصار عن القطاع، والدخول في مفاوضات الحل النهائي والتي ينبغي أن تؤدي إلى إعلان مشترك بقيام الدولة الفلسطينية قبل نهاية عام 2008. وهذا الأمر لا تؤثر فيه بالسلب -كما تأمل إسرائيل- نهايات عهد الرئيس بوش. ذلك أن المرشح الجمهوري للرئاسة "جون ماكين" يحتاج إلى الحل في فلسطين، كما يحتاج إلى التقدم في العراق، لكي يُقبل الناخبون الأميركيون على انتخابه، بدلاً من المرشحين الديمقراطيين. والولايات المتحدة تحتاج في الوقت الحالي تحديداً إلى حل في فلسطين، لكي تستطيع ضمان بقاء حلفائها العرب مع سياساتها، وهذا أمر ما عاد مؤكداً بعد كل ما جرى عليهم من الولايات المتحدة وسياسات إدارة بوش في السنوات الماضية. ثم إن الركود الذي نزل بالاقتصاد الأميركي يحتاج لتجاوزه إلى تعاون خليجي كبير، وتعاون أوروبي، وكل ذلك رهن إلى حد بعيد بما تستطيع الولايات المتحدة فعله في فلسطين، وفي العراق، وفي ملفات أخرى مشتعلة بالمنطقة. في الذكرى الستين لقيام الدولة العبرية، يستطيع الإسرائيليون تقديم إشارات بارزة: جمع 5 ملايين يهودي بفلسطين، وأنهم يمتلكون دولة متقدمة، وأقوى جيش بالمنطقة. لكن من ناحية أخرى ما استطاع الإسرائيليون حسم النزاع لصالحهم، لا بالمعنى الضيق (مع الفلسطينيين) ولا بالمعنى الأوسع (مع العرب). وقد دخلت على النزاع عوامل وعناصر أخرى: الأصوليات الإسلامية المقاتلة، والدولة الإيرانية، والنزاع الاستراتيجي هذا لا تستطيع إسرائيل كما ظهر جلياً في العقد الماضي أن تحسمه بمفردها، بل لا ضمان لها إلا القوة الأميركية. بيد أن الأمر متبادل، فالأميركيون عليهم مسؤوليات تجاه هذه المنطقة الاستراتيجية، لا تقل خطورة وأهمية لمصالحهم وهيبتهم عن وجود إسرائيل وأمنها. بل الأدنى للحقيقة الآن، وعلى مشارف الذكرى الستين للدولة اليهودية، أنها تتحول إلى عبء على الأميركيين والأوروبيين، وعليهم أن يقرروا دفع ثمن السلام معها لشعوب المنطقة ودولها، أو ينقلب الأمر على الجميع، وفي طليعتهم إسرائيل والولايات المتحدة... وسائر العرب.